مقتل « تسيتسيانوف »
أما واقعة مقتل « تسيتسيانوف » قائد الجيش الروسي فقد حدثت على هذا النحو :
لما اقترب « تسيتسيانوف » من « باكو » اشتد برد الشتاء وهطلت أمطار وثلوج كثيرة . ونفق كثير من دوابه التي تنقل مدافعه وأعوزه الطعام والعلوفة ، فوقع في مضيقة لا يدري ما يفعل . ووقع « مصطفى قلي خان » الشرواني و « حسين قلي خان قاجار » المكلفان بالدفاع عن « باكو » في مثل ما وقع فيه « تسيتسيانوف » من ضيق . وانتهى أمر الطرفين المتحاربين إلى أن تقرر أن يجتمع « حسين قلي خان » و « تسيتسيانوف » في خارج المدينة للتفاوض على إيقاع الهدنة . ولكن « حسين قلي خان » كان قد بيت أمرا للغدر بخصمه « تسيتسيانوف » . فقد تقرر أن يرافقه في هذا الاجتماع ثلاثة من رجاله ، وكان منهم ابن عمه « إبراهيم خان قاجار » . فواطاه على اغتيال « تسيتسيانوف » في أثناء الاجتماع فلما جلسوا للمفاوضة كان مجلس « إبراهيم خان قاجار » وراء الجنرال « تسيتسيانوف » . وفيما الجنرال و « حسين قلي خان قاجار » يتبادلان الحديث ، أشار هذا إلى « إبراهيم خان » إشارة متفقا عليها بينهما ، فأطلق من بندقية كانت في يده على ظهر « تسيتسيانوف » رصاصة مرقت من صدره فوقع قتيلا وقتلوا مرافقيه أيضا . ثم احتزوا رأسه وأرسلوه إلى طهران . وكان قتل « تسيتسيانوف » في شهر ذي الحجة سنة 1220 هبهذه الخدعة . ولم يجد جنده بدا من العودة إلى قواعدهم .
نتيجة الحروب الأولى
هذه الحروب الأولى التي دامت إلى آخر سنة 1220 هلم تنته إلى نتيجة حاسمة . وقد اشتركت فيها نخبة من الضباط الروس المجربين . واشتهر في إيران أن « مرتضى قلي خان قاجار » آخا « آقا محمد خان قاجار » كان يساعد الجيش الروسي هذا في السر في بلاد القفقاس . وكان قد خاصم أخاه ثم فر خوفا منه إلى روسيا لاجئا وأقام في « بطرسبورغ » من سنة 1211 ه .
والنتيجة المهمة التي ترتبت على هذه الحرب هي مقتل الجنرال الأمير « تسيتسيانوف » . وبعد مقتله وقعت حادثة مهمة أخرى هي أن « جلاسينوب » أحد قواد الجيش الروسي حاصر مدينة « دربند » . وبعد حرب وقعت بينه وبين القائد « علي خان » استطاع أن يحتل تلك المدينة .
وقد ألحق الاحتلال الروسي لمدينة « دربند » بإيران ضررا جسيما . ولا يقتصر الضرر على أن هذه المدينة هي بوابة بحر الخزر بل يتعداه أيضا إلى أن سواحلها المرتفعة مشرفة إشرافا كاملا على أذربيجان و « مقان » . وهي مركز عسكري مهم جدا لمن يحاول الاستيلاء على تلك النواحي .
سياسة إيران في هذه الأحداث
في كل هذه الحروب اقتصرت وسيلة إيران في منازلة الروس على القوى العسكرية التي لها في القفقاس ، وتحريض الأعيان من مسلمي تلك النواحي على مقاومة الروس بقواهم العسكرية الخاصة وأحيانا ببذل أموالهم الخاصة .
وكانت عدتها للحصول على معونتهم هي اندفاعهم إليها بما يفرقهم عن الروس من اختلاف في العرق وفي الدين فقط ، من غير أن تمدهم بشيء من المساعدة .
ولكن لما اشتدت الأمور ، اضطر « عباس ميرزا » نائب الملك إلى الخروج من تبريز بعشرين ألف مقاتل وعبور نهر « أرس » إلى تلك النواحي .
إلا أنه لم يصنع شيئا ، وكان يلقى الهزيمة في أكثر محارباته . وامتدت هذه الحروب إلى سنة 1228 هووقعت فيها مناوشات ، منها الكبير ومنها الصغير ، في نواحي مختلفة مما وراء نهر « أرس » . هذا وبلاط طهران لا ينفك يوالي التجهيزات العسكرية وإرسالها إلى نواحي القفقاس ، والمعارك تنشب هنا وهناك . ولكن النتائج كانت ، بوجه الإجمال ، خسارة على إيران .
ومع ذلك فان « فتح علي شاه » كان مغرورا مطمئنا إلى أنه متغلب على الروس لا محالة ! ولذلك ارتكب خطا لا يرجى إصلاحه ، إذ رفض كل طلب للصلح تقدمت به روسيا إلى إيران ، وكان يجيب أحيانا على مثل هذا الطلب بأجوبة قاسية غليظة ، لجهله بأوضاع العالم العامة والأمور السياسية والعسكرية في ذلك العصر .
من ذلك أن الفتوحات التي حصل عليها « [ نابليون ] ناپلئون » في سنة 1220 هالموافقة سنة 1806 م حملت روسيا على إلقاء السلام إلى إيران لتطمئن من جهتها ، وتتفرغ لمعالجة أمورها في أوروبا فأرسلت في 25 ذي القعدة سنة 1220 ه الموافق 14 شباط سنة 1806 م من قبلها سفيرا إلى طهران اسمه « استيفانوف » ، يعرض الصلح على إيران . ولكن البلاط الإيراني لم يعتن به ولا اهتم باقتراحه . وكان لممثلي « [ نابليون ] ناپلئون » في بلاط « فتح علي شاه » أثر كبير في حمله على اتخاذ هذا الموقف وأقام ذلك السفير الروسي في طهران مدة شهرين اثنين ويوم واحد لا يحصل على نتيجة . فغادر طهران في 26 المحرم سنة 1221 هالموافق 16 نيسان سنة 1806 م عائدا إلى بلاده . وكل ما حصل عليه هو وعد من « فتح علي شاه » بأنه يتوقف عن المحاربة ما توقفت عنها روسيا .
و [ بتضح ] يتضح من هذا أن إيران ذهبت في هذه المنازعات ضحية السياسة الفرنسية ومنافعها . فقد كان صلاح أمر « [ نابليون ] ناپلئون » في أن تكون قوى روسيا متفرقة بان يبقى فريق من جيشها مرابطا في القفقاس في وجه إيران لا يشارك في حروب أوروبا . وبذلك تضعف مقاومتها ل « [ نابليون ] ناپلئون » فيتمكن من التغلب عليها . ولذلك حرض البلاط الإيراني على رفض المصالحة . وإنقاد البلاط له متبعا خطة فجة واهية ، لجهله بالأوضاع العالمية وجهله بما عليه روسيا القيصرية من قوة عسكرية ، وضيع الفرص المؤاتية وأصبح آلة طيعة بيد « [ نابليون ] ناپلئون » . وكانت نتيجة ذلك أن تصبح إيران في كل حرب تخوضها أضعف من سابقتها وأكثر خسارة لأرضها .
الجهاد
مع شروع البعثة العسكرية الإنكليزية بتدريب الجيش الإيراني شرع السفير الانكليزي « السير غور أوزلي » بمساعي لايقاع الصلح بين الشاه والقيصر ، بموافقة كل من إنكلترا وروسيا .
وكان السفير الانكليزي يقيم في تبريز إذ كانت السنة المتبعة يومئذ أن يقيم سفراء الدول الأجنبية في تبريز بعد تقديم أوراق اعتمادهم إلى « فتح علي شاه » في طهران .
وكان من القواد العسكريين الذين أرسلتهم روسيا إلى محاربة إيران قائد مقتدر هو الجنرال « كوتليارفسكي » . وفي 20 تشرين الأول سنة 1812 م