تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١

الموافق 13 شوال سنة 1227 ههاجم هذا الجنرال « عباس ميرزا » وهو معسكر عند « أصلان دوز » وشاركه في هذا الهجوم « مهدي خان » حاكم « قراباغ » الإيراني - وكان قد انحاز إلى الروس - ومعه ألفا فارس من القراباغيين . وأوقع « كوتليارفسكي » بجيش « عباس ميرزا » هزيمة نكراء . فاضطر « فتح علي شاه » في سنة 1812 م الموافقة سنة 1227 ه‍ ، وكان يقيم في « السلطانية » ، إلى طلب الصلح بواسطة السفير الانكليزي « السير غور أوزلي » وقام هذا بمفاوضة الجنرال « رتيشتشوف » القائد العام للجيش القيصري الذي في « كرجستان » وحاكم الأقاليم الإيرانية المحتلة العسكري ممثلا للقيصر ومفاوضة « عباس ميرزا » ولي العهد ممثلا للشاه . ولكن هذه المفاوضات لم تأت بنتيجة إيجابية ، إذ أصرت إيران على استرداد كل الأقاليم التي احتلتها روسيا ، وأصرت روسيا على التمسك بها وإلحاقها بأرضها . ووقعت في أثناء ذلك مناوشات حربية أخرى انتهت إلى هزيمة الإيرانيين . ويومئذ طرح موضوع إعلان الجهاد للبحث . وقد روى المؤرخ الفرنسي « جان يونير » هذا الأمر في كتابه « أبطال إيران المجهولون في محاربة روسيا القيصرية » ( 1 ) على هذا النحو ، ننقله ملخصا : قبل حضور السفير الانكليزي « السير غور أوزلي » إلى السلطانية إجابة لطلب « فتح علي شاه » حضر إلى إيران جماعة من علماء الدين الشيعة المقيمين في النجف وكربلاء وسامراء وغيرها من بلاد العراق . وسبب حضورهم هو أن جماعة من مسلمي الولايات التي احتلتها روسيا في شمال إيران قدموا إلى العراق وشكوا إلى المراجع الدينية فيه ما يلقاه مسلمو تلك الولايات من جور الجنرال الروسي « رتيشتشوف » حاكم تلك الولايات العسكري . ومن ذلك منعهم من إقامة شعائرهم الدينية ، وإجبارهم على الخضوع لقوانين مذلة جائرة . فارتاى « الشيخ محمد حسين النجفي » وغيره من مراجع الدين العراقيين مباحثة مراجع إيران في موضوع إعلان الجهاد . فحضروا إلى إيران لهذه الغاية . وحضر معهم من كان قد هاجر إليهم من مسلمي القفقاس . وحين وصولهم إلى طهران كان « فتح علي شاه » قد عاد إليها حديثا من « السلطانية » بعد تلك المفاوضات الطويلة بينه وبين السفير الانكليزي . فاستقبلهم استقبالا حسنا ، وأكرم مثواهم . ووافقهم على إصدار فتوى بالجهاد وأرسل « الشيخ محمد حسين النجفي » رسائل إلى رجال الدين المقيمين في الولايات يطلب منهم إصدار فتوى بوجوب الجهاد ، فأجابوه بالإيجاب . وكان « فتح علي شاه » يعلم أن استصدار فتوى بالجهاد من العلماء أمر ممكن . ولكنه كان يعلم أيضا أن إنفاذ هذه الفتوى أمر صعب . فالإيرانيون ، وإن كانوا لا تنقصهم الشجاعة والثبات والفداء ، ينقصهم المال والسلاح والعلم بفنون الحرب ، إذ لم يسبق أن تلقنوا تربية عسكرية حسب الأصول الحديثة . فهم لذلك غير قادرين على معاركة الجيش الروسي المدرب المسلح بالأسلحة الحديثة . ومع ذلك فان موافقة رجال الدين على الإعلان بالجهاد أفادت « فتح علي شاه » فائدة اجتماعية وسياسية . فقد قوت مكانته في الداخل من جهة ، ووضعت ، من جهة أخرى ، في يده سلاحا دبلوماسيا هو التهديد بالجهاد في مفاوضاته السياسية للصلح . ولم يكن في يد « فتح علي شاه » سوى وسيلة وحيدة للتغلب على الروس واسترداد الأقاليم الإيرانية التي احتلوها ، وهي تجنيد رجال العشائر ، إذ كانوا أكفاء لهذا الأمر . وهذا شيء اعترف به الإنكليز والروس كلاهما . وذلك لما كان يتحلى به رجال العشائر من حماسة وشجاعة فائقة وصبر على الشدائد . وفي أحد تقارير الجنرال « غاردان » إلى « [ نابليون ] ناپلئون » وصف رجال العشائر الإيرانية بأنهم أحسن جنود الدنيا ، واعترف بأنهم أفضل من العسكر الفرنسي . هذا مع التنبيه إلى شدة اعتزاز الفرنسيين بعسكرهم واعتقادهم بان لا جندي فوق الجندي الفرنسي . ولكن تجنيد رجال العشائر يحتاج إلى المال . ولم يتمكن « فتح علي شاه » من توفير المال اللازم ، إما لشحه وإما لفقره . وبدأ التجنيد للجهاد . وخرجت أول كتيبة من المجاهدين من طهران وسارت إلى قزوين لتتخذ طريقها من هناك إلى الولايات المحتلة . وإذ كان « فتح علي شاه » غير حاضر لبذل نفقات المجاهدين فقد أوعز إلى حاكم قزوين بارجاعهم منها وإخبارهم بان الشاه يتعهد بان يخرج بتدابيره العسكرية « رتيشتشوف » من القفقاس ويريح مسلميها من شره ، فأعادهم الحاكم من قزوين . وأقنع « فتح علي شاه » الشيخ محمد حسين النجفي بالانصراف عن الجهاد وذلك بوعده له بان يجند رجال العشائر لحرب « رتيشتشوف » ، فهم أكفالها من رجال المدن . وبذلك توقف « الشيخ محمد حسين النجفي » عن تجنيد الناس للجهاد . ولم يكن « فتح علي شاه » ، في الواقع عازما على تجنيد رجال العشائر ، ولكنه وعد بهذا الوعد ليجعله وسيلة إلى صرف الأنظار عن إعلان الجهاد . هذه خلاصة ما ذكره « جان يونير » عن قضية الجهاد التي طرحت يومئذ للبحث . أما « سعيد نفيسي » فلم يأت في كتابه « تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي » على ذكر « الشيخ محمد حسين النجفي » ولا ذكر قضية إرجاع المجاهدين من قزوين . وأورد بحث موضوع الجهاد هذا على هذا النحو نقلا عن مؤرخين إيرانيين . وننقل كلامه هنا ملخصا : أفتى المجتهدون يومئذ بان أحكام الجهاد تجري على هذه المحاربة . وزيد في ألقاب الشاه وألقاب ولي العهد لقب « الغازي » و « المجاهد في سبيل الله » . وأرسل ولي العهد « عباس ميرزا » و « الميرزا عيسى الفراهاني » المعروف بلقب « القائممقام » ولقب « الميرزا الكبير » ، بعد استئذانهما « فتح علي شاه » ، اثنين من العلماء إلى النجف لاستفتاء المرجع الديني « الشيخ جعفر النجفي » وغيره من المجتهدين في موضوع الجهاد هذا . فكتب « الشيخ جعفر » أن محاربة روسيا في هذه الأيام جهاد واجب على الجميع . وكتب غيره من مجتهدي العراق أيضا مثل هذه الفتوى . وقد جمع « الميرزا عيسى الفراهاني » فتاوى المجتهدين هذه في رسالة خاصة . وقام الوعاظ على منابر أذربيجان يحرضون الناس على الجهاد . وأقبل الناس على التطوع له . وقدر عدد المتطوعين للجهاد في أذربيجان بمائة ألف تقريبا .

هامش
( 1 ) ترجمة إلى الفارسية « ذبيح الله منصوري » ، وما ننقله هنا هو عن هذه الترجمة .