تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦

أسرهم الجنود الفاتحون بلغ خمسة عشر ألفا بين رجل وامرأة من جميع الأعمار . هذا غير من قتل وغير ما نهب . وأنهم كانوا يقيدون أيدي القسيسين ويلقون بهم في نهر « أرس » ( 1 ) ، فيغرقون . وأنه أحرقوا الكنائس وخربوا البيوت ونهبوا كل شيء في المدينة . وظل « آقا محمد خان » في « تفليس » تسعة أيام بعد هذه الغارة الفظيعة وما سفك فيها من دماء ونهب من أموال . ثم سار من « تفليس » إلى « كنجة » . ومنها سار إلى « شروان » ، وهو ماض في غاراته وغزواته . ثم عاد إلى إيران من طريق « دشت مقان » . ومع أن « كرجستان » كانت يومئذ محمية روسية وكان على روسيا أن تمدها بنجدة عسكرية بمقتضى معاهدة « غورغيوسك » فان روسيا أخلفت وعدها وتركت « كرجستان » تقاوم وحدها . وبذلك سقطت معاهدة الحماية تلك من تلقاء نفسها . وبعد مدة قليلة عاد « جيورجي الثاني عشر » ملك « كرجستان » الجديد فعقد في 23 تشرين الثاني سنة 1799 م الموافق 24 جمادى الآخرة سنة 1214 ه‍ . معاهدة بينه وبين « بولس » قيصر روسيا جدد فيها المعاهدة السابقة ، وتعهدت روسيا فيها بان تستدرك ما أهملته في الحرب الماضية فتمده بنجدة عسكرية إذا وقع اعتداء عليه . وبعد عودة « آقا محمد خان » من هذه الحملة قام « فاليريان زوبوف » بتسيير جيشه قاصدا إنفاذ خطته التي مر ذكرها آنفا . وحين بلغ هذا الخبر إلى « آقا محمد خان » كان مشغولا بالحرب في خراسان وما وراء النهر . ثم ، لما بلغه نبا موت « كاترين » وعودة « زوبوف » ، حمله هذا الخبر العزم على غزو « كرجستان » مرة أخرى . فذهب إلى طهران وجهز جيشا سار به في شهر ذي القعدة سنة 1212 هفي نفس الطريق التي سلكها في المرة السابقة ، أي طريق « أردبيل » حتى بلغ ساحل نهر « أرس » . وكانوا قد خربوا الجسر المعقود عليه كما فعلوا أول مرة . فأصلحه وعبر إلى الشاطيء الآخر وأغار بعشرة آلاف فارس على قلعة « فناه آباد » . واضطر « إبراهيم خليل خان » هذه المرة إلى الفرار إلى إقليم « شكي » و « لكزستان » واحتل « آقا محمد خان » القلعة . وفي تلك الغزوة عند هذه القلعة قتل « آقا محمد خان قاجار » ليلة السبت 21 ذي الحجة سنة 1212 هبيد خادمه « صادق خان » الكرجي والفراش « خدا داد » . وكان قد أمر بقتلهما في صباح اليوم التالي بسبب فقدان شيء من الدراهم . فانسلا ليلا إلى مضجعه وهو نائم فقتلاه ( 2 ) . يقول « سعيد نفيسي » في كتابه « تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي » إن المؤرخين الإيرانيين لم يعرفوا السبب الأصلي الذي جعل « كاترين الثانية » التي حدثت هذه الواقعة في زمانها تحجم عن إنجاد « هراكليوس » . وينقل عن « السيرجان ملكوم » وهذا ينقل عن أحد أبناء « كرجستان » أن « هراكليوس » استنجد مرارا بالجنرال « غودافيتش » ، وكان هذا يقيم مع جيش على بعد ستة منازل من « تفليس » مأمورا بمساعدة أهل ذلك الإقليم . ولكنه لم يجب « هراكليوس » إلى طلبه استهانة منه ب « آقا محمد خان » وجيشه ، إذ كان يعتقد أن ما يتناقله الناس عن قوته مبالغ فيه . ولذلك لم [ بكن ] يكن « غودافيتش » يتوقع أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه . ولكن « السيرجان ملكوم » ، بعد أن ينقل هذا الكلام ، يرى أن الأصح هو أن « غودافيتش » كان يقيم في قلعة « غورغيوسك » وجنده يتفرقون في نواحي « الجبل الأسود » ( قراداغ ) ، وجمعهم وإرسالهم إلى « تفليس » يستغرق ثلاثة أسابيع أو أربعة . ولذلك لم يستطع إنجاد « هراكليوس » في الوقت المناسب . ويحتمل « السيرجان ملكوم » سببا آخر . هو أن « هراكليوس » نفسه كان راغبا عن تدخل الجيش الروسي في هذه الحرب ، إذ كان يخشى من استيلائه على بلاده ، وكان يرى أن في قوته الكفاية لصد « آقا محمد خان » عن بلاده . ومهما كانت الحال فان « كاترين » عزمت ، بعد هذه الواقعة ، على الانتقام . ويومئذ كان « مرتضى قلي خان قاجار » أخو « آقا محمد خان » في روسيا هاربا من أخيه هذا بعد أن هزمه في حرب وقعت بينهما . وكانت « كاترين » تريد أن تستعين به للقضاء على « آقا محمد خان » . وكان القصد من تجييش جيش « فالريان زوبوف » هو الوصول إلى تحقيق هذا الانتقام . ومع أن روسيا عادت فتوقفت عن تسيير هذا الجيش فإنها حصلت منه على قائدة كبيرة . فقد اقتطعت من إيران نواحي « دربند » و « بادكوبا » و « طالش » و « شماخي » و « كنجة » .

بدء الحرب بين إيران وروسيا

لم تحصل إيران على فائدة من الحروب التي شنها « آقا محمد خان » على « كرجستان » وكان لهذه الحروب حصيلة واحدة هي أنها زادت في شقاء أهل ذلك الإقليم من جهة وحركت روسيا إلى القيام باعمال ألحقت بإيران أضرارا عظيمة من جهة أخرى . مات « هراكليوس الثاني » ملك « كرجستان » في سنة 1798 م الموافقة سنة 1213 هبعيد مقتل « آقا محمد خان » . واعتلى « فتح علي شاه » عرش إيران في 24 ربيع الأول سنة 1212 ه‍ . وكان ل « هراكليوس » بضعة أبناء أكبرهم اسمه « جيورجي » وعرف في المصادر الإيرانية باسم « جرجين » ( بالجيم المصرية ) . وقد خلف أباه في الملك . إلا أن أحد إخوته ، واسمه « الكساندر » خرج عليه وطلب الملك لنفسه . ويظهر أنه كان مخالفا لتبعية « كرجستان » لروسيا . ولذلك كان يأمل بان تؤيده إيران وتساعده في الوصول إلى العرش . فحضر إلى بلاط « فتح علي شاه » وشارك الإيرانيين في الحرب التي وقعت بعد ذلك بين إيران وروسيا وظل مقيما في إيران إلى أن توفي في طهران ، ودفن في الكنيسة القديمة الواقعة في خارج بوابة شاه عبد العظيم . ولم يطل ملك « جيورجي » كثيرا فمات في 28 كانون الأول سنة 1800 م الموافق 10 شعبان سنة 1215 هفي [ تقليس ] تفليس . وطلب ابنه « داود » الملك لنفسه . ولكن « جيورجي » كان ، قبل موته قد عقد في سنة 1799 م الموافقة سنة 1214 همعاهدة بينه وبين قيصر روسيا « بولس » تقضي بان يكون القيصر الروسي هو ملك « كرجستان » وأن يكون لأعقاب « جيورجي » عنوان « نائب الملك » فيها . وبعد مدة قليلة قتل رجال البلاط الروسي القيصر « بولس » ونصبوا مكانه على العرش ابنه « ألكساندر الأول » في 24 آذار سنة 1801 م الموافق
هامش
( 1 ) ذكر سعيد نفيسي في كتابه « تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي » أن النهر الذي يمر في « تفليس » اسمه « كور » لا « أرس » وأن المؤرخين الإيرانيين أخطئوا في تسميته .
( 2 ) راجع ترجمة آغا محمد خان قاجار في مكانها من المستدركات .