« كاترين الثانية » ، ووقعها عن الجانب الكرجي الأمير « باغراتيون » مندوب « هراكليوس » ملك « كرجستان » ولهذه المعاهدة أهمية خاصة في تاريخ العالم . لأن ملك « كرجستان » وضع دولته بمقتضاها في حماية الإمبراطورية الروسية . وهي أول دولة في تاريخ العالم توضع في حماية دولة أخرى . وقد اقتدت دول أوروبا بعد ذلك بهذه السابقة ، فوضعت دول في حماية دول أخرى .
وتصرح المادة الأولى من هذه المعاهدة بان ملك « كرجستان » لا يعد من الآن فصاعدا « والي » هذه الدولة بل « حليف » روسيا . ومعنى ذلك أن ملك « كرجستان » ، وهو تابع لإيران من أربعمائة سنة وعنوانه الرسمي من قبل الملوك الإيرانيين هو « والي كرجستان » ، قد أصبح من الآن فصاعدا تابعا للقياصرة الروس .
بعد ست سنوات من إمضاء هذه المعاهدة وقعت الثورة الفرنسية في سنة 1789 م الموافقة سنة 1203 هوقد أفزعت هذه الثورة كل ملوك أوروبا وأوقعتهم في الهلع والرعب . ومنهم « كاترين الثانية » أمبراطورة روسيا التي اعتلت العرش من سنة 1762 م الموافقة سنة 1175 هإلى سنة 1796 م الموافقة 1210 هولذلك رأت « كاترين » أن الوقت غير مناسب للقيام بفتوحات في القفقاس ، خصوصا أنها كانت قد فرغت حديثا من حربها الثانية التي وقعت بينها وبين تركيا في 1791 م الموافقة سنة 1215 ه . وعليها أن تريح عسكرها .
في سنة 1796 م الموافقة سنة 1210 ه ، قبل وفاة « كاترين » ببضعة أشهر ، كان « فلاتون زوبوف » هو المتصرف الآمر الناهي في شؤونها وشئون الدولة . وقد وضع هو وأخوه « فالريان زوبوف » خطة جريئة . وقبل « زوبوف » كان « فاتيمكين » هو المتصرف بشؤون الإمبراطورية الروسية .
وكان يسعى إلى إثارة نصارى البلقان على العثمانيين وضم البلاد الأوروبية التي يسيطر عليها العثمانيون إلى روسيا . ولكن « زوبوف » كان أبعد تطلعا منه .
فقد كان يريد احتلال إيران والوصول إلى حدود الهند والحصول على طريق إلى البحار الدافئة .
كانت خطة « فاليريان زوبوف » هي الاستيلاء على إيران وإقامة حاميات في مختلف مدتها . ثم يغزو أرض العثمانيين من طريق آسيا الصغرى فيخضعهم . ومن جهة أخرى يغزو القائد العسكري المعروف « سوفاروف » إسطنبول من طريق البلقان . وفي أثناء هذه الأعمال يحاصر الأسطول الروسي إسطنبول من البحر ، وتقرر أن تكون قيادة الأسطول بيد « كاترين » نفسها .
وفي آخر شهر شباط سنة 1796 م الموافق شعبان سنة 1210 ه .
سار « فاليريان زوبوف » من « بطرسبورغ » آملا أن يصل إلى أصفهان في شهر أيلول من تلك السنة ، أي بعد سبعة أشهر ، على أن يسير الجنرال « كارساكوف » بعشرة آلاف جندي إلى احتلال « تفليس » من طريق القفقاس ، ويسير « زوبوف » بعشرين ألف جندي من ساحل بحر الخزر حتى يلتقي بالجنرال « كارساكوف » ثم يسيران معا إلى أصفهان . وهما يتوقعان أن لا يتعرض لهما أهالي « دربند » و « دربند » و « بادكوبا » بالمقاومة . والظاهر أن البلاط الروسي لم يكن على اطلاع على أوضاع إيران الداخلية . ويحسبون أن أصفهان لا تزال عاصمة لإيران ، فإذا استولوا عليها سلمت إيران إليهم . وحل شهر أيلول الذي جعله « زوبوف » موعدا لاحتلال أصفهان ، وجيشه لم يصل بعد إلى حدود إيران . فأرسلوا إليه من « بطرسبورغ » مهندسا اسمه « دوفلان » ومعه خرائط جغرافية وأوامر عسكرية ليساعده في مهمته . ولكن « كاترين الثانية » توفيت في 17 تشرين الثاني من تلك السنة الموافق 16 جمادى الأولى سنة 1218 هو « زوبوف » لا يزال في « بادكوبا » . وخلفها ابنها « بولس » فتوقف عن متابعة الغزو وألغى خطة « زوبوف » .
وقبل هذه الوقائع بلغ خبر الحلف الكرجستاني الروسي إلى « آقا محمد خان قاجار » ، فعزم على مهاجمة تلك النواحي . وكان هذا الوقت مناسبا له ، إذ كانت « كاترين » ملكة روسيا مرعوبة من الثورة الفرنسية . وقد أوقفها هذا الرعب عن إنجاد الكرجيين حين بلغها نبا [ عزو ] غزو « آقا محمد خان » « كرجستان » .
وكان ملك « كرجستان » قد خلع طاعة إيران من اليوم الذي ظاهره فيه البلاط الروسي . وشجع عصيانه هذا جماعة آخرين من أمراء تلك النواحي من نهر « أرس » ، وأكثرهم يحكمونها بالوراثة فخلعوا طاعة إيران أيضا وحالفوا « هيراكليوس » .
وبدأ « آقا محمد خان » عمله في أواخر سنة 1209 هباقامة معسكر عظيم في أطراف طهران متكتما لا يخبر أحدا بما ينويه . فلما اكتمل له ما أراده من تجهيز الجيش بادر إلى تسييره من طهران لا يخبر أحدا بوجهة سيره . وسار من طريق « أردبيل » إلى جسر « خدا آفرين » المعقود على نهر « أرس » ، وكان « إبراهيم خليل » حاكم « قراباغ » قد خربه . فأعاد « آقا محمد خان » بناءه وقطع النهر عليه . ثم أرسل فرقة من جنده لاحتلال إقليم « طاش » .
وسار هو قاصدا أرمينيا . فقتل جماعة من أهلها وأسر جماعة . ثم سار بعشرة آلاف جندي إلى قلعة « فناه آباد » فحاصرها . ولكنه لم يستطع استخلاصها من « إبراهيم خليل خان » حاكم « قراباغ » الذي ظل مسيطرا على تلك النواحي من سنة 1177 إلى سنة 1221 هفانصرف عنها قاصدا إلى « تفليس » .
فلما وصلها تلقاه « هراكليوس » في خارجها ، ودارت بينهما رحى حرب طاحنة . وفي أثناء ذلك هبت رياح شديدة مخالفة لعسكر « هراكليوس » ، وكان يتالف من الكرجيين والأرامنة ، وعجز عن الثبات فعاد إلى المدينة .
وخرج من بوابة أخرى من بوابات المدينة أربعمائة فارس من الشركس كانوا يحالفون « هراكليوس » ووصلوا إلى وراء الفسطاط الذي فيه « آقا محمد خان » وقطعوا بعض أطنابه . ولكن « آقا محمد خان » لم يتحرك من مكانه وأمر حرسه من البندقيين ( حملة البنادق ) المازندرانيين بإطلاق الرصاص عليهم فقتلوا جماعة من أولئك الشركس وفر من سلم منهم .
وإذ رأى « هراكليوس » أن لا قدرة له على المقاومة فقد عاد إلى « تفليس » وحمل زوجته ، واسمها في المصادر الإيرانية « ده فال » ، وأخته وابنته ، وانطلق بهن إلى إقليم « كأخت » و « كارتيل » .
ولما انتهت الحرب أمر « آقا محمد خان » بقتل سبعين رجلا من رؤساء عسكر « كرجستان » . ثم دخل مدينة « تفليس » وأمر جنده بالإغارة والقتل . فكانت واقعة رهيبة فظيعة . وذكر المؤرخون الإيرانيون أن عدد من
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 215
مساهمون: حسن الأمين
ص٢١٥