والظاهر أن القيصر الروسي طلب من « [ نابليون ] ناپلئون » في أثناء مفاوضات الصلح في « تيلسيت » أن لا تقدم فرنسا في إيران على عمل يضر بروسيا ، بل تسعى إلى التقريب بين إيران وروسيا . والذي يدل على ذلك هو أن « [ نابليون ] ناپلئون » أمر ، فور إمضاء معاهدة « تيلسيت » ، الجنرال « غاردان » بالتوسط بين إيران وروسيا . وهكذا جعلت فرنسا من نفسها وسيطا بين الدولتين بدلا من أن تكون عونا لإيران في مقاومتها لروسيا حسب تعهداتها في معاهدة « فينكن شتاين » . ولكن وساطة « غاردان » لم تأت بنفع إذ أصرت روسيا على الاحتفاظ بما احتلته من أرض وأصرت إيران على استعادته منها .
بل يظهر من رسالة أرسلها المارشال « غراف فودافيتش » قائد الجيش الروسي في القفقاس إلى الجنرال « غاردان » أن [ نابليون ] ناپلئون لم يقتصر على التخلي من مساعدة إيران وإخلاف مواعيده لها ، بل وعد الروس أيضا [ بمساندتهم ] بمساعدتهم على إيران ، وأنه أمر سفيره في طهران بتأييد المطالب الروسية لا المطالب الإيرانية ! كان « غاردان » يسعى إلى إيقاع الصلح بين إيران وروسيا بواسطة « [ نابليون ] ناپلئون » . وكانت إيران أيضا ترى أن هذه الوساطة هي آخر الدواء . أما روسيا فكانت ترفض هذه المداخلة . وكان ما يحمل البلاط القيصري على هذا الرفض أمران أساسيان . أحدهما أنه لم يكن يقبل أن يتخلى عما احتلته روسيا من أرض القفقاس بوجه من الوجوه ، والآخر أنه لم يكن مطمئنا إلى « [ نابليون ] ناپلئون » . وهو متيقن أن محالفته له غير ثابتة - وقد تحقق ظنه هذا فيما بعد سريعا - وكان الروس يرون أن خير وسيلة إلى تقليل نفوذ « [ نابليون ] ناپلئون » في إيران وجعلها آيسة من مساعدته وصرفها عن محالفته هي أن لا يدخلوه في أمر الصلح بينهم وبين إيران وأن يسارعوا إلى القضاء على إيران ويرتاحوا من همها . فإذا نازلهم « [ نابليون ] ناپلئون » مرة أخرى تفرغوا له ولم يشغلهم شاغل من إيران ، ولا اضطروا إلى الاحتفاظ بجيش كبير على حدودها لا يقدرون على الاستفادة منه في ميادين الحرب الأوروبية . ولذلك صدر أمر قاطع إلى المارشال « غودافيتش » أن يرفض مصالحة إيران ولو كان الواسطة « غاردان » ، وأن يكون القول الفصل للروس وحدهم .
قطع علاقات إيران بفرنسا
انتهت مهمة الجنرال « غاردان » في إيران إلى الخيبة . فمن جهة إخلاف « [ نابليون ] ناپلئون » وعده لإيران . ومن جهة أخرى كان إنشاء مصنع المدافع في أصفهان قد أهم الإنكليز وأهم الروس لأنه يقوي إيران ، وهم يسعون إلى إضعافها . فبذلوا جهدهم في مقاومة هذا العمل ، بواسطة عملاء لهم من الإيرانيين . من ذلك ما فعله حاكم أصفهان ووزير مالية « فتح علي شاه » من تحريض العمال الإيرانيين على تخريب العمل والامتناع عنه وإخفاء الأدوات اللازمة للعمل ، وتضليل « فتح علي شاه » بتقارير كاذبة عن قصور الخبير الذي يتولى إنشاء المصنع ، مع أن هذا الخبير كان جادا مخلصا ماهرا في عمله . وقد صبر على ما لقيه من الأذى صبرا كريما .
وفي أول شهر تشرين الأول سنة 1808 م الموافق شعبان سنة 1223 ه . كان قد صنع عشرين مدفعا . فأمره « فتح علي شاه » بإرسالها إلى طهران . فأرسلها واستغرق مسيرها من الوقت خمسة أسابيع ، في طريق موحلة غير ممهدة . وكانت الخيول أحيانا لا تقوى على جرها بسبب ذلك فيستعينون بأهل القرى الواقعة على طريقهم لاخراجها من الوحل وتخليصها مما يعترض طريقها من عراقيل أخرى .
فلما وصل بها الخبير الفرنسي إلى العاصمة قوبل بفتور من الشاه وغيره ، بخلاف ما كان يقابل به في السابق . وتبين أن البعثة العسكرية الفرنسية قد سقطت من الاعتبار السابق الذي كان لها عند الشاه وسائر الإيرانيين . واعترض الشاه على بعض الصنعة في هذه المدافع . ثم وضعت المدافع في مستودع وأغلق بابه . يقول هذا الخبير : بعد ذلك أصبحت وكأني لم أصنع شيئا بعد سنة من العمل ! وبذلك توقع هذا الخبير أنه سيضطر قريبا إلى مغادرة إيران .
بعد ذلك انقطعت العلاقات بين فرنسا وإيران ولم يبق بينهما أخذ ورد إلى زمن « محمد شاه قاجار » . وغادر الجنرال « غاردان » إيران في 23 نيسان سنة 1809 م الموافق 8 ربيع الأول سنة 1224 ه . من غير أن تطلب منه الحكومة الإيرانية مغادرة بلادها ومن غير أن يستدعى من باريس . وغادرها أيضا سائر أفراد البعثة . وبدأ عهد جديد من التقارب بين إيران وانكلترا .
ويظهر من رسالة أرسلها « [ نابليون ] ناپلئون » إلى « فتح علي شاه » أن « [ نابليون ] ناپلئون » بادر ، بعد خروج « غاردان » من إيران ، إلى إخراج السفير الإيراني أيضا من باريس . ورسالة « [ نابليون ] ناپلئون » هذه مؤرخة في 23 أيار سنة 1810 م الموافق 18 ربيع الثاني سنة 1225 هولم يدم قيام تلك العلاقات بين فرنسا وإيران أكثر من أربع سنوات وبضعة أشهر ، وذلك من أواخر سنة 1219 هالموافقة سنة 1805 م إلى سنة 1224 ه . الموافقة سنة 1809 م .
وقد أتم « غاردان » أعمالا مهمة في تنظيم الجيش الإيراني فقرر للجندي الأدوات اللازمة له ، غير السلاح ، يحملها في أسفاره الحربية .
وأقام مصنعا للمدافع في أصفهان . ووضع مخططا لانشاء حاميات عسكرية ثابتة دائمة في المدن ، وبدأ بانشائها فأقام ثكنة في « دامغان » قطعت دابر قطاع الطرق في تلك النواحي ، وتهيأ لمتابعة إنشاء الثكنات في أماكن أخرى .
ورأى لزوم إنشاء طرق معبدة لتسهيل التحركات العسكرية وتسيير عربات المدافع . ولكن « فتح علي شاه » ، مع اقتناعه بلزوم إنشاء هذه الطرق ، كان يرفض الإنفاق عليها ويقول إن نفقاتها يجب أن تبذل من المال الذي تقرر أن يعطيه إياه « [ نابليون ] ناپلئون » . وإنشاء « غاردان » أيضا ، في جملة إصلاحاته ، المطبخ العسكري السيار في الجيش الإيراني .
وجميع هذه الاصلاحات لم يكن « غاردان » قادرا على تحقيقها لولا مساعدة « عباس ميرزا » له . فقد كان هو الذي يوفر المال اللازم لها ، حتى أنه باع كل جواهره الخاصة وأنفق ثمنها على هذه الاصلاحات .
وقد قبل « عباس ميرزا » بكل الاقتراحات التي طرحتها البعثة العسكرية الفرنسية ، ما عدا اقتراح واحد هو حلق اللحى فقد اقترح المدربون الفرنسيون أن يحلق الجنود الإيرانيون لحاهم أو أن يقصروها ، لأن اللحية الطويلة تعوق حركات الجندي في الحرب . وحين تكون الحرب وجها إلى وجه إذا كان الجندي ملتحيا وتمكن عدوه من القبض على لحيته أعجزه عن المحاربة . ولكن « عباس ميرزا » أجابهم بان رجال إيران يصعب عليهم حلق لحاهم .
واتفق يوما أن انفجرت قنبلة في يد أحد المدفعيين فلم تصبه بأذى سوى أنها أحرقت لحيته . فأخذه المدربون الأوروبيون إلى « عباس ميرزا » وقالوا له