تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
السجن ، بادر « [ نابليون ] ناپلئون » إلى إرسال سفير آخر إلى إيران ، هو ضابط عسكري اسمه « روميو » في أوائل تشرين الأول سنة 1805 م الموافقة أوائل رجب سنة 1220 ه‍ . ومعه هدايا ورسالة إلى « فتح علي شاه » مؤرخة في 30 آذار سنة 1805 م الموافق آخر ذي الحجة سنة 1219 هيطلب مساعدته على سوق جيش إلى الهند ، وجعل طريق هذا السفير على بغداد . فلما وصل « روميو » إلى طهران تلقاه البلاط الإيراني بالترحيب والاحترام . ولكن حدث بعد بضعة أيام من وصوله أن مات موتا فجائيا من غير مرض أصابه . ولم يستطع أحد أن يعرف سبب موته ، سوى الحدس بان الذين رأوا في قدومه إلى طهران ضررا ينالهم قد بادروا إلى القضاء عليه . ودفن السفير في مقبرة تقع خارج طهران في الجنوب . أما السفير الأول « جوبير » فإنه ، بعد أن تخلص من سجنه ، سار قاصدا طهران عن طريق أذربيجان . وكان « فتح علي شاه » يومئذ في « السلطانية » فذهب « جوبير » إليها . ودخل على « فتح علي شاه » في 14 شوال سنة 1220 هالموافق 5 تموز سنة 1806 م .

معاهدة « فينكن شتاين »

وأقام « جوبير » في إيران مدة شهر تقريبا . ودعا « فتح علي شاه » إلى محالفة فرنسا ، وأتم مهمته السياسية على أحسن وجه . واقترح مشروع معاهدة بين الدولتين أرضى به الحكومة الإيرانية . وتقرر أن يصحب معه في عودته سفيرا عن إيران إلى بلاط « [ نابليون ] ناپلئون » لتوقيع المعاهدة هناك . وأمر « فتح علي شاه » حاكم قزوين « الميرزا محمد رضا خان » بالسفر مع « جوبير » إلى فرنسا وأرسل معه رسالة وهدايا إلى « [ نابليون ] ناپلئون » . وفي 25 صفر سنة 1222 ه‍ . الموافق 4 أيار سنة 1807 م دخل السفير الإيراني على « [ نابليون ] ناپلئون » في معسكره في « فينكن شتاين » في بولونيا حيث كان مشغولا بمحاربة « البروسيين » . ووقعت المعاهدة في ذلك التاريخ . ويومئذ كان « [ نابليون ] ناپلئون » مشغولا بمحاربة الحلف الرباعي الأوروبي المؤلف من بروسيا وروسيا وانكلترا والسويد لمقاومة « [ نابليون ] ناپلئون » وقمعه . ( 1 ) وتقضي هذه المعاهدة بان تؤيد فرنسا استقلال إيران . وتعترف بان « كرجستان » هي من أملاك صاحب الجلالة ملك إيران . وأن يبذل صاحب الجلالة أمبراطور فرنسا وملك إيطاليا ( [ نابليون ] ناپلئون ) كل مساعيه لتجلو روسيا عن « كرجستان » وأرض إيران ، وأن يرسل « [ نابليون ] ناپلئون » إلى بلاط إيران سفيرا فوق العادة من قبله مع بضعة سكرتارية . وأن يهيأ لإيران ما تحتاج إليه من المدافع الصحراوية والبنادق والحراب على أن تكون أسعارها مساوية لأسعارها في أوروبا . وأن يرسل إلى إيران من تحتاجه من العسكريين والمهندسين الحربيين لتنظيم الجيش الإيراني وأسلحته وقلاعه حسب النمط المتبع في أوروبا . وتقضي المعاهدة أيضا بان يتعهد صاحب الجلالة ملك إيران بقطع العلاقات السياسية والتجارية التي بين بلاده وبين إنكلترا . وأن يبادر فورا إلى إعلان الحرب على تلك الدولة ، وأن يعاملها من هذه الساعة معاملة الخصم . وبناء على هذا يتعهد صاحب الجلالة ملك إيران باستدعاء سفيره الذي أرسله إلى بمباي . وأن يطرد في الفور قناصل الشركة الإنكليزية وممثليها وموظفيها الآخرين من إيران ومرافئ الخليج ، وأن يصادر كل البضائع الإنكليزية ، وأن يصدر حكما قاطعا إلى ولاياته بقطع كل رابطة مع الإنكليز ، سواء أكانت في البر أم في البحر . وكلما اتحدت إنكلترا وروسيا على حرب فرنسا وإيران فان فرنسا وإيران تتحدان أيضا عليهما . ويتعهد شاه إيران بان يبذل كل نفوذه لحمل الأفاغنة على مخالفته على إنكلترا . وحين تتيسر له الطريق في تلك النواحي يسوق جيشا إلى محاربة الإنكليز في ما يحتلونه من أرض الهند . ويمنح شاه إيران كل التسهيلات اللازمة للسفن الفرنسية التي ترد إلى مرافئ الخليج ، ويسمح للعساكر التي يبعث بها أمبراطور فرنسا إلى ما تحتله إنكلترا من أرض الهند ، بالمرور من أرض إيران . وتعقد بين إيران وفرنسا معاهدة تجارية . وكان توقيع هذه المعاهدة دليلا واضحا على غباء « فتح علي شاه » وجهله . فقد أقدم على معاداة انكلترا وتحدي روسيا بلا تحفظ ، وهما الدولتان القويتان ، وإيران على ما هي عليه من ضعف . وذلك من أجل وعد وعده [ نابليون ] ناپلئون بان يعينه على استعادة « كرجستان » وغيرها من النواحي التي استولت عليها روسيا . هذا وإنكلترا وروسيا قائمتان في جوار إيران ، وفرنسا على ذلك البعد الشاسع منها ، ولا طريق لها إلى إيران ! ولم يحصل من هذه المعاهدة نتيجة عملية لأن مضامينها كانت أوهاما وخيالات . ولكنها ألحقت بإيران ضررا سياسيا كبيرا إذ زادت انكلترا عداء على عداء لإيران .

البعثة العسكرية الفرنسية

نتيجة عملية واحدة فقط ترتبت على هذه المعاهدة . وهي إرسال بعثة عسكرية فرنسية إلى إيران لتنظيم الجيش الإيراني وتدريبه . وإذا كانت هذه المعاهدة تقضي بان يرسل « نابليون » سفيرا من قبله إلى إيران . فقد اختار لهذه المهمة الجنرال « كلود ماتيو كونت دو غاردان » . وعهد إليه أيضا برئاسة البعثة العسكرية المطلوبة . وكانت تتالف من خمسة عشر سياسيا وأربعة عشر عسكريا . وتظهر الأوامر الخطية التي أمر « [ نابليون ] ناپلئون » رئيس البعثة بالعمل بها أن فرنسا كانت في تلك الأيام تضع إيران في المنزلة الأولى من الأهمية في موضوع المنافسة بينها وبين إنكلترا وروسيا وكانت مهمة « غاردان » إنفاذ مقتضيات معاهدة « فينكن شتاين » . ولكنه كان مأمورا أيضا بأوامر سرية هي تهيئة خطة تمكن اثني عشر ألف جندي فرنسي أو خمسة عشر ألفا من اجتياز أرض إيران لغزو الهند ، وأن يطلب من إيران وضع جزيرة « خارك » الواقعة في الخليج في تصرف فرنسا لتستفيد منها في تحركات الأسطول الفرنسي ، وكانت له مهمات أخرى هي :
هامش
( 1 ) كان [ نابليون ] ناپلئون و « بولس » قيصر روسيا قد وضعا خطة لغزو الهند عن طريق القفقاس وإيران . وعقدا بينهما اتفاقا تعهد فيه القيصر بإرسال جيش من خمسين ألف جندي إلى إيران والسير به ، بمساعدة من إيران ، إلى الهند من طريق مدينة « هرات » - وكانت يومئذ لا تزال تابعة لإيران - وفي سنة 1801 م الموافقة سنة 1216 ه‍ ، قبل أن يقيم « [ نابليون ] ناپلئون » رابطة بينه وبين إيران ، قتل [ القبصر ] القيصر « بولس » وخلفه « [ الإسكندر ] الكساندر الأول » . ورفض هذا القيصر الحلف المعقود بين سلفه وبين [ نابليون ] ناپلئون ، وانحاز إلى الدول المخالفة [ لنابليون ] لناپلئون . وبذلك قطع [ نابليون ] ناپلئون أمله من مساعدة روسيا له . وعقد هذه المعاهدة بينه وبين إيران لتكون وسيلته إلى تسيير جيشه من أرضها إلى غزو الهند .