وساطة غاردان بين إيران وروسيا
كانت الحكومة الروسية القيصرية قد أرسلت إلى طهران في 25 ذي القعدة سنة 1220 ه . الموافق 14 شباط سنة 1806 م قبل ورود « غاردان » إلى إيران بسنتين تقريبا ، سفيرا لها فوق العادة اسمه « أستفانوف » يقترح على الحكومة الإيرانية إيقاح الصلح بين إيران وروسيا . وكان ذلك قبل إمضاء معاهدة « تيلسيت » بسبعة عشر شهرا تقريبا . وظاهر أن روسيا كانت يومئذ بحاجة إلى هذا الصلح لتستطيع حشد كل قواها العسكرية في أوروبا ، ولا تكون مضطرة إلى الاحتفاظ بقوى لها على حدود القفقاس . ولذلك كانت مضطرة إلى مسالمة إيران . ولكن الحكومة الإيرانية كانت موعودة بمحالفة « [ نابليون ] ناپلئون » تنتظر قدوم السفير الفرنسي مغترة بهذه المحالفة تحسب أنها ستمكنها عن قريب من استرداد ما خسرته من أرضها . فأخذت تماطل السفير الروسي « استفانوف » وتدافعه حتى يئس فعاد إلى بلاده في 26 المحرم سنة 1221 ه . الموافق 16 نيسان سنة 1806 م . وبعد شهرين من سفره وصل السفير الفرنسي « جوبير » إلى طهران . وفي ذلك التاريخ استؤنفت الحرب بين إيران وروسيا . وكانت الحكومة الإيرانية تنتظر قدوم الجنرال « غاردان » كما تنتظر الفرج السماوي . ولذلك تلقته ، لما وصل ، بالإكرام والابتهاج والمودة ، وبالغت في ذلك كثيرا ، وأجابته إلى كل شيء طلبه . وكان استقبالها للبعثة الفرنسية أشبه بالعيد والمهرجان . وصلت البعثة في آخر شهر تشرين الثاني سنة 1807 م الموافق رمضان سنة 1222 هإلى مدينة قزوين قادمة من تبريز . وقد اضطرت إلى المكث في قزوين لا يؤذن لها بمتابعة السفر إلى العاصمة طهران إلا بعد أربعة أيام من وصولها . وقد ذكر « شارل نيكولا بارون فأبويه » أحد أعضاء البعثة في مذكرات له علة هذا التأخير . ويتبين مما ذكره بعض ما كان يتملق به الشاه يومئذ من ألقاب وصفات ، ويتبين بعض أحوال « فتح علي شاه » . وما ذكره هذا الفرنسي صحيح يعرفه كل من له اطلاع على تاريخ ذلك العهد وما كان عليه « فتح علي شاه » من إيمان بالخرافات . قال « فأبويه » : « إن صاحب الجلالة الملك البادشاه قبلة العالم قطب الدنيا ظل الله وصاحب ثلاثين أربعين لقبا أخرى نسيتها ، نظر في حركة الكواكب فرأى أن أعضاء السفارة الفرنسية إذا دخلوا طهران . في يوم غير اليوم الرابع من كانون الأول أصابهم النحس . . . » . ووصلت البعثة الفرنسية إلى طهران في اليوم الرابع من كانون الأول سنة 1807 م الموافق 2 شوال سنة 1222 ه . وكانت جماعة كبيرة من الرسميين قد خرجت إلى استقبالهم . وحين دخلوا طهران تجمع جمهور كبير من الأهالي لمشاهدتهم . حتى أن « فتح علي شاه » أرسل مهرجي البلاط يلعبون في موكب الاستقبال ، وتحول استقبالهم إلى « كرنفال » . كتب « فأبويه » في مذكراته أن المهرجين كان كل منهم يرتدي تبانا ( شورت ) قصيرا وسائر بدنه عار من اللباس ، يرقصون ويهرجون ورئيسهم يحمل بيده نبوتا كبيرا يلعب به . ووصف « فأبويه » هذا « فتح علي شاه » لما دخلوا عليه بعد بضعة أيام بأنه كان غارقا في الجواهر من مفرقه إلى قدمه ، قد زين نفسه بما يساوي الملايين منها . والتاج الذي على رأسه والعضاد ( 1 ) الذي على يسراه من أغلى النفائس ، ولحيته ، وكانت تعد يومئذ أجمل لحية في إيران ، تصل إلى ركبتيه . وبعد خمسة عشر يوما من وصول « غاردان » إلى طهران وقع « فتح علي شاه » على معاهدة « فينكن شتاين » في 20 كانون الأول سنة 1807 م الموافق 10 شوال سنة 1222 ه . وطرد الإنكليز الذين كانوا في إيران واستدعى سفيره الذي في بمباي . وكان توقيع « فتح علي شاه » على هذه المعاهدة بعد توقيع « [ نابليون ] ناپلئون » على معاهدة « تيلسيت » بخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما . . . ولم يكن خبر معاهدة « تيلسيت » قد وصل إلى إيران يومئذ وبعد أيام أمضيت اتفاقية شراء الأسلحة من فرنسا واتفاقية تجارية . وسلمت جزيرة « خارك » التي في الخليج إلى الفرنسيين .