1 - تهيئة الجيش الإيراني على نمط يعطيه شكل جيش أوروبي . وإنشاء مصنع للمدافع . 2 - تطمين « فتح علي شاه » إلى أن « [ نابليون ] ناپلئون » سيستمر في مساعدته إلى أن يتغلب على قيصر روسيا تغلبا قاطعا ، وتصبح [ القفاس ] القفقاس كلها ملكا لإيران . 3 - التحقيق في مسالك إيران وتعيين الطريق التي يمكن للجيش الفرنسي أن يسلكها إلى الهند . وكان في مقدمة الصعوبات التي اعترضت « غاردان » في مهمته تقلب « فتح علي شاه » بين الآراء المختلفة . بين ساعة وساعة ، وبطء المواصلات بين إيران وفرنسا . ولا طريق بينهما غير طريق تركيا . وقطعها يستغرق ، في المعدل ، مدة شهرين من الزمان . وصعوبة أخرى هي التفاوت العظيم بين عقلية الإيرانيين ، ولا سيما المسنين الذين تتالف منهم حاشية البلاط ، ومفاهيمهم وبين عقلية الفرنسيين ومفاهيمهم . وقد بلغ هذا التفاوت بحيث كان يصعب كثيرا على الإيرانيين أن يتبينوا أوضاع فرنسا ويفهموها . والوصف الذي عرف « فتح علي شاه » به « [ نابليون ] ناپلئون » بسفيره الذي وقع معاهدة « فينكن شتاين » يصح نموذجا بسيطا لهذا التفاوت . عرف السفير الإيراني بأنه « العالي الجناب الشهم النصاب ( 1 ) الميرزا محمد رضا خان السفير فوق العادة حاكم قزوين وزير ( 2 ) الأمير محمد علي ميرزا » . وعرف المندوب الفرنسي الذي وقع المعاهدة باسم فرنسا بأنه « المسيو هوغ برنار ماره الوزير المشاور حامل وسام اللجيون دونورو وسام سنت أوبر » ! ويوم قدم « روميو » السفير الأول المبعوث من قبل « [ نابليون ] ناپلئون » إلى بلاط « فتح علي شاه » أراد الإنكليز أن يبعثوا الريب في نفس « فتح علي شاه » فاطلعوه على وقائع الثورة الفرنسية ومقتل « لويس السادس عشر » وخلع العائلة الفرنسية المالكة . وقد أرابت هذه المعلومات « فتح علي شاه » وأفزعته ، وهو يملك في بلد من آسيا ، حيث لا عهد للناس بنظام حكومي من غير الملكية الاستبدادية المطلقة . وقد اضطر « روميو » يومئذ إلى إطالة الحديث في الجواب على أسئلة « فتح علي شاه » وبيان أسباب تلك الوقائع ، وشرح الجرائم والأخطاء التي نسبت إلى « لويس السادس عشر » ، وإيضاح ما حصلت عليه فرنسا بعد الثورة وفي عهد « [ نابليون ] ناپلئون » من عظمة وقوة ، ليطمئن خاطر « فتح علي شاه » . وكان « فتح علي شاه » حريصا على إخفاء ضعفه بالتظاهر بالقوة والمقدرة . وإذا احتاج إلى أحد أظهر نفسه بمظهر القادر على مبادلة نفع بنفع لا بمظهر المفتقر إلى المعونة . من ذلك أنه يوم ورد « جوبير » سفير « [ نابليون ] ناپلئون » إلى طهران عرض عليه يوما ما يملكه من الجواهر لينبهه إلى غناه ويكسب إعظامه له . وحين أرسل سفيره « الميرزا محمد رضا » القزويني إلى « [ نابليون ] ناپلئون » أمره بان يخفي عن « [ نابليون ] ناپلئون » خوفه من روسيا ، وأن يظهره على العكس ، قادرا على أن يضطلع بحربها وحده . وأن تكليف « [ نابليون ] ناپلئون » هو أن يشارك في هذا الأمر مشاركة مساوية لمشاركته . وأن إيران قادرة على المساعدة في غزو الهند ، وأن عملها العسكري لا يقتصر على مهاجمة الهند من طريق « كابل » و « [ فندهار ] قندهار » ، بل إن الجنود الإيرانيين سينضمون إلى الجنود الفرنسيين حين يصلون بالسفن إلى أحد مرافئ الخليج . ومن هناك يسير الجيشان معا إلى الهند . وصل الجنرال « غاردان » ومرافقوه إلى طهران يوم 12 رمضان سنة 1222 ه . الموافق 4 كانون الأول سنة 1807 م . وشرعوا في عملهم في تلك السنة . فانشاوا مصنعا للمدافع وغيرها من الأسلحة في أصفهان . ( 3 ) وأنشئوا مراكز لتدريب الجيش الإيراني .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 209
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٠٩
اعترضت الجنرال « غاردان » أيام إقامته في طهران صعوبتان .
إحداهما منافسة انكلترا الشديدة له ، منافسة ظاهرة أحيانا خفية أحيانا أخرى ، ومظاهرة بعض رجال البلاط المتنفذين للانكليز . والصعوبة الأخرى هي تغير ما بين فرنسا وروسيا من معاملات سياسية ، من الخصومة إلى المصالحة . وهو تغير يؤثر بالضرورة تأثيرا سلبيا على العلاقات التي أريد لها أن تقوم بين فرنسا وإيران بمقتضى معاهدة « فينكن شتاين » .
استغرقت رحلة الجنرال « غاردان » ستة أشهر تقريبا حتى وصل إلى طهران . وفي هذه المدة انقلبت السياسة ما بين فرنسا وروسيا رأسا على عقب . ففي 2 تموز سنة 1807 م الموافق 26 ربيع الثاني سنة 1222 ه ، و « غاردان » لا يزال في طريقة ما بين فرنسا وإستانبول ، أراد « [ نابليون ] ناپلئون » أن يطلق قياصرة الروس يده في مقاومة انكلترا فصالح روسيا بمعاهدة عقدت في مدينة « تيلسيت » في « بروسيا » . وبهذه المعاهدة نقض « [ نابليون ] ناپلئون » وعوده التي وعد به إيران في معاهدة « فينكن شتاين » . ولما وصل « غاردان » إلى إيران لم يكن الإيرانيون قد علموا بنبأ تصالح فرنسا وروسيا .
وبعد وصول « غاردان » بمدة قليلة عقد معاهدة أخرى بين فرنسا وإيران وقعها هو عن فرنسا ووقعها الصدر الأعظم « الميرزا شفيع » عن إيران تقضي بان تبيع فرنسا لإيران مقدارا من البنادق ، وأن تمدها بفريق من خبراء بعض الصناعات المدنية . ووقعت المعاهدة في 21 كانون الثاني سنة 1808 م الموافق 12 ذي القعدة سنة 1222 ه . ولكن هذه المعاهدة لم ينتج عنها شيء ولم تحصل إيران على البنادق الموعودة ولا جاء إليها الخبراء المطلوبون .
كانت معاهدة « تيلسيت » شؤما على إيران . لأن الروس ، وقد ظلوا مدة من السنين يحتفظون بقواهم محتشدة في الحدود الأوروبية خوفا من « [ نابليون ] ناپلئون » واستعدادا للدفاع عن أنفسهم ، قد أمنوا جانب « [ نابليون ] ناپلئون » بعد هذه المعاهدة ، وتفرغوا لمتابعة فتوحاتهم ، وأخذوا يعدون تجهيزاتهم الحربية على حدود القفقاس .
وقعت الحرب الأولى بين إيران وروسيا في سنة 1219 هوانتهت إلى
هامش
( 1 ) النصاب : الأصل .
( 2 ) » وزير « كانت تستعمل بمعنى : مساعد .
( 3 ) لا يزال بعض هذه المدافع موجودا اليوم . وهي منصوبة في بعض الأماكن العامة بما هي من الآثار . ومنها مدفع عرف باسم « مدفع اللؤلؤ » . وكان أشهر هذه المدافع ، وهو منصوب اليوم في حديقة نادي الضباط . وكان قبل ذلك منصوبا في أحد شوارع طهران .
وصار للعامة يومئذ اعتقاد به أن له أثرا في قضاء الحاجات ونوال المرام فينذرون له النذور .