تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
دخل « فتح علي شاه » الحرب الأولى التي وقعت بين إيران وروسيا في شهر رمضان سنة 1218 ه‍ . دخلها وهو مغتر بما سبق من انتصارات « آقا محمد خان » في « كرجستان » يحسب نفسه كفيئا لها . ولكنه لم يلبث أن تبين أنه أضعف من أن ينهض بمثل هذا العبء . ومن أجل ذلك استنجد [ بنابليون ] بناپلئون . كانت رغبة إيران ورغبة فرنسا في التصادق والتقارب فيما بينهما متساويتين ، بسبب ما لابس أوضاع كل منهما من ظروف . [ فنابليون ] فناپلئون عازم على غزو الهند وطرد الإنكليز منها . وقد تبين له عجزه عن غزوها من طريق البحر ، وأن طريقه البرية إليها إنما هي إيران ، ولا طريق غيرها . ولذلك غير خطته السابقة ووضع خطة جديدة لغزو الهند من طريق إيران . وهذا يقتضيه التقرب إلى إيران ومصادقتها . وإيران ترى نفسها محتاجة إلى المعونة لاسترداد « كرجستان » وقد سلبتها منها روسيا وجعلتها ولاية روسية . وهي آيسة من مساعدة الإنكليز ، فتوجهت إلى فرنسا . ومن الطبيعي أن يلقى هذا التوجه هوى في نفس « [ نابليون ] ناپلئون » . وبهذا يتضح أن سياسة « [ نابليون ] ناپلئون » في معاملته لإيران إنما كانت جزءا من خطته لاحتلال الهند ، وكذلك كانت سياسته في معاملته لروسيا ، جزءا من خطته لاحتلال الهند . وقد تغير التخطيط بهذه الخطة ثلاث مرات ، وأخرج على ثلاثة أوجه ، بمقتضى تغير الحوادث . فقبل ذلك ، حين تبين [ لنابليون ] لناپلئون ، أنه غير قادر على غزو الهند من طريق مصر ، ارتاى أن يحالف روسيا ليتيسر له العبور إلى حدود الهند من جهاتها لقربها من هذه الحدود . ففاوض قيصر روسيا « بولس الأول » في هذا الموضوع واتفقا سنة 1801 م على احتلال « أفغانستان » والنواحي الشرقية من إيران وغيرها بجيش من الروس والفرنسيين وبهذا الاحتلال يقفون على حدود الهند ثم ينطلقون إلى داخلها فيخرجون الإنكليز منها . ويبقى ما احتل من الأرض خالصا لروسيا . وفي مقابل ذلك تؤيد روسيا احتلال الفرنسيين لمصر والبحر الأبيض المتوسط . وفاوضت الدولتان النمسا للحصول على موافقتها على هذه الخطة في مقابل إطلاق يدها في المستعمرات التي للعثمانيين في أوروبا ، وهي الصرب وبلغاريا والبوسنة وغيرها . ولكن حدث قبل إنفاذ هذه الاتفاقات أن قتل « بولس الأول » قيصر روسيا في شهر نيسان سنة 1801 م ، وخلفه « الكساندر الأول » . وخضع هذا لإرادة رؤساء عسكره ، إذ أرادوه أن يتخلى عن صداقة فرنسا ، ويستبدل بها معاهدة صداقة بين روسيا وإنكلترا . وكان رؤساء العسكر هؤلاء من الأغنياء وكبار الملاكين ، وبينهم وبين الإنكليز معاملات تجارية رابحة وبهذا اتخذ تخطيط « [ نابليون ] ناپلئون » وجها آخر . ففي سنة 1805 م وضعت الحرب التي نشبت بين فرنسا وروسيا إيران وفرنسا كلتيهما في مقابل عدو مشترك لهما ، فازداد « [ نابليون ] ناپلئون » عزما على محالفة إيران . وتبودلت السفارات [ بفينه ] بينه وبين « فتح علي شاه » ، وانتهت مغاوضاتها إلى عقد معاهدة صداقة عرفت باسم « معاهدة فينكن شتاين » بين إيران وفرنسا في 4 أيار سنة 1807 م الموافق 25 صفر سنة 1222 ه‍ . وقدمت إلى إيران ، بمقتضى هذه المعاهدة ، بعثة عسكرية فرنسية يرأسها الجنرال « غاردان » لتدريب الجيش الإيراني وتقويته . وكان تخطيط « [ نابليون ] ناپلئون » هذا الجديد يقضي بتقوية هذا الحلف بالسعي إلى إدخال الدولة العثمانية فيه . ولكن هذا التخطيط لم يلبث أن اتخذ وجها آخر . فبعد شهرين من عقد معاهدة « فينكن شتاين » ، و « غاردان » لا يزال في طريقه لم يصل بعد إلى إيران ، عقد « [ نابليون ] ناپلئون » والقيصر الروسي معاهدة صلح بينهما في مدينة « تيلسيت » في « بروسيا » الشرقية . وأصبحت مهمة « غاردان » في إيران إيقاع الصلح بين إيران وروسيا بدلا من مساعدة إيران على روسيا ، والسعي إلى تسالم الدولة العثمانية وإيران وروسيا بدلا من السعي إلى إدخال الدولة العثمانية في الحلف الإيراني الفرنسي المقاوم لروسيا . ثم الحصول على معاونة الروس والإيرانيين [ لنابليون ] لنابليون في شق طريقه إلى الهند . وقبل أن يقرر « [ نابليون ] ناپلئون » التقرب إلى « فتح علي شاه » كانت انكلترا قد قامت بمسعى مماثل . ففي سنة 1800 م الموافقة سنة 1215 هأوعز البلاط الانكليزي إلى شركة الهند الشرقية بإرسال سفير من قبلها إلى إيران . فأرسلت « السير جان ملكوم » - وهو مؤلف كتاب تاريخ إيران - وشرع بمفاوضة البلاط الإيراني في هذا الموضوع . وإذ رأوا الكلام وحده لا يكفي لاقناع « فتح علي شاه » فقد ارتأوا إقناعه بالارهاب ، وذلك باحتلال إحدى جزر الخليج . ولكنهم لم يلبثوا أن عدلوا عن هذا الرأي إلى رأي آخر ، هو الرشوة . فبذل « السيرجان ملكوم » ل « فتح علي شاه » وحاشيته مقادير ضخمة من المال والهدايا بلغت أكثر من مليوني روبية . وحصل الإنكليز منه على وعد بان لا يقدم على عمل يضر بمصالحهم . ولكنه أقدم بعد ثلاث سنوات على محاربة روسيا . وإذ وجد نفسه عاجزا فقد استنجد بفرنسا غافلا عما بينها وبين إنكلترا من خصومة ومنافسة . وبذلك جلب على نفسه غضب الإنكليز .

سفيرا « [ نابليون ] ناپلئون » في إيران

بعث « [ نابليون ] ناپلئون » المستشرق « آميده جوبير » سفيرا إلى إيران في 16 شباط سنة 1805 م الموافق 16 ذي القعدة سنة 1219 ه‍ . وكان هذا السفير يتقن التركية والعربية . وسبق له أن رافق « [ نابليون ] ناپلئون » إلى مصر . وكان يومئذ يحرر [ لنابليون ] لنابليون ما يلزمه من أحكام ورسائل باللغة العربية . وله اطلاع واسع على أحوال العالم الإسلامي ، وأحوال البلاد الروسية ، ولذلك كان خير من يقوم بهذه المهمة من الفرنسيين . سافر « جوبير » من فرنسا قاصدا إيران عن طريق تركيا . وأمرته دولته بالسفر متنكرا ، إذ كانت مهمته سرية ، ويخشى أن تمنعه الدولة العثمانية وخصوم فرنسا من متابعة سفره إذا عرفت شخصيته . وسار لا يعوقه مانع إلى أن بلغ أرض كردستان العثمانية . فلما وصل إلى مدينة « بايزيد » من تلك الديار ، اعتقله الباشا العثماني الذي كان حاكما عليها من قبل الدولة العثمانية . اعتقله من غير أن يبين له سبب اعتقاله وألقى به في السجن على حالة مزرية . ويتضح من اعتقاله وسجنه بهذه الكيفية أن يدا خفية دبرت هذه المؤامرة عليه ، هي يد الذين يرون في سفره ومهمته هذه ضررا يصيبهم . وقد ظل هذا التاعس في السجن إلى أن مات باشا « بايزيد » . وحينئذ استطاع بمنتهى المشقة أن يوصل خبرا عن حاله إلى « عباس ميرزا » ابن « فتح علي شاه » ونائبه وولي عهده ، وكان حاكما على أذربيجان . فقام البلاط الإيراني بمساعي كثيرة حتى استطاع إنقاذ « جوبير » من الموت وجلبه إلى إيران . ولما انقطعت أخبار « جوبير » عن « [ نابليون ] ناپلئون » ، وهو معتقل في