تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ويومئذ كان « بلاتون زوبوف » قائد جيش الفرسان وعشيق الإمبراطورة مطلق اليد في التصرف بشؤون الدولة . وقد عزم على إرسال أخيه « فاليريان » ليستولي على إيران ، ويقيم روابط بين روسيا والهند . وبعد أن يحتل مدن إيران ويقيم في كل منها حامية عسكرية ، يغير منها على بلاد العثمانيين في آسيا الصغرى . وفي أثناء ذلك يجتاز الجنرال الروسي « الكساندر سوفوروف » البلقان إلى إستانبول . ومن ناحية أخرى يدخل الأسطول الروسي مضيق البوسفور ويحاصر العاصمة العثمانية من البحر . وفي أواخر شهر شباط سنة 1796 م الموافق شعبان سنة 1210 ه‍ . سار « فاليريان زوبوف » من « سان بطرسبورغ » ، وأعطى وعدا بان يكون في شهر أيلول من تلك السنة الموافق ربيع الأول سنة 1211 ه‍ . في أصفهان . ولكن حل شهر أيلول و « فاليريان زوبوف » لا يزال يفصله عن حدود إيران ستة كيلو مترات تقريبا يكلفه قطعها مشقات عظيمة لوعورة الطريق . فأرسلوا إليه من « سان بطرسبورغ » مهندسا فرنسيا اسمه « دوفالون » ومعه ما يلزم من خرائط جغرافية وأوامر لينظر في أمره . وتبين بعد النظر والتحقيق والتدقيق أنهم إنما يتبعون خطة خيالية واهية . ولذلك توقف عن متابعة السير ومكث في « باكو » ، إلى أن توفيت الإمبراطورة « كاترين » الثانية في شهر أيلول سنة 1796 م الموافق جمادى الأولى سنة [ 1121 ] 1218 ه‍ . وخلفها على العرش ابنها « بولس » ، فبادر فورا إلى الأمر بتراجع الجيش الروسي عن إيران . كان « هرقل » ملك « كرجستان » قد وضع بلاده في حماية « كاترين الثانية » ، وكان حاقدا على دولة إيران بعد الحرب التي شنها عليه « آقا محمد خان قاجار » سنة 1209 هوكان هذا الوضع في جملة الأسباب التي حملت « كاترين الثانية » على محاولة غزو إيران . وكان « مرتضى قلي خان قاجار » أخو « آقا محمد خان » هاربا منه لاجئا إلى « كاترين » إذ كان لا يأمن أخاه على نفسه . وكان له أثر في تحريض الإمبراطورة الروسية على تجهيز هذا الجيش لغزو إيران . ولم ينتج عن تجييش هذا الجيش وإرسال « فاليريان زوبوف » في تلك المهمة سوى شيء واحد هو زيادة ما بين البلاط الروسي والبلاط الإيراني من عداء ، فبدأ « فتح علي شاه » ملكه وهو خائف من روسيا . وأدى ذلك إلى نشوب حربين كبيرتين بين الدولتين .

فتح علي شاه و [ نابليون ] ناپلئون الأول

يقول المؤرخ الإيراني سعيد نفيسي : كما يعد مؤرخو أوروبا احتلال السلطان « محمد الفاتح » العثماني لاسطنبول في سنة 1453 م و 857 ه‍ [ وافعة ] واقعة من أهم وقائع تاريخ أوروبا ويرون أن مصير هذه القارة قد تغير في تلك السنة ، يمكن القول إن دخول « نادر شاه » إلى « دهلي » عاصمة الهند في سنة 1152 هو 1739 م وإخضاعه ملك الهند البابري كان من أهم حوادث تاريخ آسيا وأن مصير آسيا تغير في تلك السنة . كانت الثروات الهندية الضخمة المكتنزة من ألوف السنين قد تسامعت بها كل دول العالم . ولكن لم يكن أحد يجرؤ على غزو الهند والتفكير في امتلاكها . ولكن الهزيمة الشديدة التي مني بها « محمد شاه » الهندي من « نادر شاه » كشفت الغطاء وعلم الناس أن الاستيلاء على الهند ليس أمرا مستحيلا . ومن ذلك اليوم بقي في أذهان دول أوروبا الكبرى أمل الاستيلاء على الهند ، وأقدم على هذا العمل الجريء من وجد نفسه منها قادرا عليه ( 1 ) . وكان الفرنسيون أول من حاول فتح الهند من الدول الأوروبية في سنة 1503 م الموافقة سنة 908 هوبعدهم الإنكليز في سنة 1600 م الموافقة سنة 1008 ه‍ . وبعد نجاح الإنكليز وتقدمهم في الهند وخيبة فرنسا وقصور يدها عنها لم [ بقطع ] يقطع الفرنسيون أملهم من الهند . وكانت روسيا أيضا تطمع فيها ولذلك ظل موضوع الاستيلاء على الهند يشغل الساسة الفرنسيين والروس زمانا طويلا . وإذ كانت الطريق البرية الطبيعية للوصول إلى الهند تتصل بإيران فقد اهتمت دول أوروبا ولا سيما من كان منها طامعا في الهند اهتماما خاصا بإيران من مطلع القرن التاسع عشر الميلادي والقرن الثالث عشر الهجري . وكان هذا الاهتمام سببا في إيقاع إيران في مصائب وبلايا طاحنة . وفي سنة 1804 م الموافقة سنة 1219 هاعتلى « نابليون بونابرت » عرش فرنسا . وقد خطرت له فكرة جريئة جدا هي أن يغزو الهند من طريق إيران . وكان قد سمع بغزو « آقا محمد خان » لبلاد « الكرج » واحتلال « تفليس » وما أوقعه بها . وكان يتصور أن خليفته سيكون على مشاكلته موفقا في ميادين الحرب . ويوم نوى « [ نابليون ] ناپلئون » أن يستعين بإيران الإنفاذ خطته الجريئة كان « فتح علي شاه » مشغولا بالحرب الأولى التي وقعت بين إيران وروسيا ودامت أكثر من عشر سنوات . دامت من سنة 1803 م الموافقة سنة 1218 هإلى 12 تشرين الأول سنة 1813 م الموافق 8 شوال سنة 1229 ه‍ . ولما أحس « فتح علي شاه » العاجز في هذه الحرب بأنه لا قبل له بقيصر روسيا « [ الإسكندر ] الكساندر الأول » وجنوده ، وسمع بفتوحات « [ نابليون ] ناپلئون » الأول واختلافه والقيصر الروسي ، عزم على الاستنجاد به لمحاربة « [ الإسكندر ] الكساندر » . فكتب في سنة 1219 هإلى « [ نابليون ] ناپلئون » رسالة بالانشاء المتكلف المتداول في تلك الأيام المزوق بالكنايات والاستعارات . وطلب منه أن يغير على روسيا في الربيع القادم ، إذ يكون هو في ذلك الوقت قد مضى إلى محاربتها ، وبذلك يستطيعان متحالفين إيقاف روسيا عند حدها . وقد قوت هذه الرسالة فكرة « [ نابليون ] ناپلئون » القديمة ، فكرة التقرب من إيران لجعلها طريقه إلى غزو الهند . فعزم على إقامة رابطة بين إيران وفرنسا ، وأرسل إلى إيران سفيرا هو مستشرق شاب اسمه « آميده جوبير » ومعه رسالة منه إلى « فتح علي شاه » مؤرخة في 16 شباط سنة 1805 م الموافق 16 ذي القعدة سنة 1219 ه‍ . ثم أتبعه بسفير آخر هو ضابط عسكري اسمه « روميو » ومعه رسالة أخرى مؤرخة في 30 آذار سنة 1805 م الموافق آخر ذي الحجة سنة 1219 ه‍ .

هامش
( 1 ) ألف المؤرخ الفرنسي « جان يونير » كتابا اسمه « أبطال إيران المجهولون في محاربة روسيا القيصرية » ، وقد ترجم « ذبيح الله منصوري » هذا الكتاب إلى الفارسية . وفي هذه الترجمة استطرد المترجم إلى ذكر هذه الكلمة وعلق عليها بقوله : « قبل نادر شاه غزت عدة دول أوروبية بلاد الهند . أولها البرتغال ثم هولندا ثم فرنسا ثم إنكلترا » . على أن « سعيد نفيسي » نفسه ذكر بعد هذه الكلمة أن كلا من فرنسا وإنكلترا غزت الهند في تاريخ سابق لتاريخ غزو « نادر شاه » لها .