تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥

وأنذر « بطرس الكبير » الملك « واختانغ » ملك « كرجستان » بان يطلعه على أوضاع أرمينيا ، إذ أراد أن يعلن نفسه رسميا حامي نصارى « كرجستان » وأرمينيا . إذ كان هذان الاقليمان يتعرضان أحيانا لغزوات العثمانيين وأذاهم ، وكذلك كانوا أحيانا يستاؤون من سلوك الإيرانيين بسبب ما بين الفريقين من اختلاف في الدين . في هذه الأثناء استولى الأفاغنة على أصفهان عاصمة إيران ، وخلع « محمود أفغان » الشاه « سلطان حسين الصفوي » عن العرش في 11 المحرم سنة 1135 هو نصب نفسه ملكا على إيران . فلما بلغ هذا الخبر إلى « بطرس الكبير » عزم على غزو إيران بحجة أنه يريد حماية الملك الصفوي . وفي شهر صفر وشهر ربيع الأول سنة 1135 هالموافق شهري أيار وحزيران سنة 1722 م سار عن طريق نهر « الفولغا » إلى « تيجني نغفورود » ومنها إلى « حاج طرخان » . ومن هناك سار عن طريق البر والبحر إلى مدينة « دربند » وكانت من أرض إيران . وكان جيشه يتالف من اثنين وعشرين ألف راجل وتسعة آلاف فارس من جنوده ، ومعهم عشرون ألفا من القوزاق وعشرون ألفا من « الكالموك » ( شعب من المغول ) وثلاثون ألفا من التتر وخمسة آلاف ملاح . فهذه ستة آلاف ومائة ألف جندي . ومن أين لإيران التي بلغ من ضعفها يومئذ أن تجرأ عليها حتى الأفاغنة فقضوا عليها ، أن تقاوم هذا الجيش العرمرم . فلم يلق جيش « بطرس الكبير » غير مقاومة يسيرة قام بها الجنود المحليون من أهل أذربيجان و « جيلان » . ثم لم يلبثوا أن انهزموا . وفتح أهالي « دربند » أبوابها وسلموا للفاتح . ولكن « بطرس الكبير » لم يلبث أن تراجع عنها إلى « حاجي طرخان » خوفا من مجاعة متوقعة . وفي طريق تراجعه بنى قلعة سماها « الصليب المقدس » . ومع ذلك أرسل « بطرس الكبير » فرقة من عسكره لفتح « جيلان » وفي شهر تشرين الثاني سنة 1722 م الموافق شهر صفر سنة 1135 هاستسلمت مدينة « رشت » . وفي شهر تموز سنة 1723 م الموافق صفر 1135 ه‍ ، استسلمت « باكو » . وفي شهر أيلول سنة 1724 م الموافق شهر المحرم سنة 1137 هعقدت في « سان بطرسبورغ » معاهدة بين وفد إيراني رسمي وبلاط بطرس الكبير تقضي بان يتعهد القيصر بمساعدة الشاه الصفوي « طهماسب الثاني » وإنجاده بقوة عسكرية بشرط أن يسلم الشاه إلى الدولة الروسية نواحي « دربند » و « باكو » وولايات « جيلان » و « مازندران » و « أسترآباد » . فبعد أن خلع « محمود أفغان » الشاه « سلطان حسين الصفوي » عن العرش في 11 المحرم سنة 1135 ه‍ . نصب جماعة من رجال البلاط الصفوي الشاه « طهماسب الثاني » ملكا على إيران في 20 المحرم من تلك السنة . وقد آل أمره إلى أن خلعه « نادر شاه أفشار » في 14 ربيع الأول سنة [ 114 ] 1145 ه‍ . وكان الشاه « طهماسب » هذا يتوسل بكل إنسان وكل شيء ليتمكن من مقاومة الأفاغنة . وكان في جملة وسائله إلى هذه الغاية تلك المعاهدة التي عقدت بينه وبين « بطرس الكبير » . ولكن ظهور « نادر شاه » حرم البلاط الروسي من أن يستفيد شيئا منها . وقد حمل عجز البلاط الإيراني في تلك الحقبة وتقدم الروس في القفقاس وأذربيجان مسلمي تلك النواحي على الاستنجاد بالبلاط العثماني . بل إن دولة « كرجستان » المسيحية قبلت في سنة 1722 م الموافقة سنة 1135 هوصاية الدولة العثمانية عليها وصاية اسمية . ومع ذلك فان النواحي التي كان « بطرس الكبير » قد اقتطعها من إيران في سواحل بحر الخزر الغربية ظلت في يده . بل إن البلاط العثماني اعترف في المعاهدة التي عقدها بينه وبين روسيا في شهر حزيران سنة 1724 م الموافق شهر رمضان سنة 1136 هبان تلك النواحي هي جزء من أرض روسيا . . وكانت سواحل بحر الخزر الشرقية معدودة أيضا من أرض إيران . وقد أراد « بطرس الكبير » توسعة مجال حكمه إلى تلك النواحي أيضا . فبعث في مطلع سنة 1716 م الموافق شهر المحرم سنة 1128 ه‍ . بجيش صغير من ثلاثة آلاف جندي من أعراق مختلفة بقيادة شركسي اسم « كنياز الكساندر بيكوفنش تشركاسكي » إلى تلك النواحي ، وأمره ببناء قلعتين إحداهما عند مصب نهر « جيحون » السابق والأخرى في مكان المدينة المعروفة اليوم باسم « كراسنوفودسك » . ثم مفاوضة بعض الخانات الحاكمين هناك على مخالفة روسيا وإعطائها بعض الامتيازات في بلادهم . وأمره بتحري أوضاع الطرق المؤدية إلى الهند . ولكن هذا الرسول لم يوفق في مهمته . فقد تحالف عليه بدو تلك النواحي وأهل « خيوه » ( 1 ) وقطعوا الطريق على عسكره وانتهى أمره إلى أن جردوا عسكره من سلاحهم وأسروهم وكانوا قد أذنوا ل « كنياز ألكساندر بيكوفنش تشركاسكي » هذا بدخول « خيوه » بما هو سفير لروسيا . ولكنهم ضربوا عنقه وعلقوا رأسه على بوابة المدينة . وانتقم « بطرس الكبير » من هذا العمل بان ألقى بسفير حاكم « خيوه » الذي في « سان بطرسبورغ » في السجن سنة 1720 م الموافقة سنة 1132 ه‍ . وظل في السجن إلى أن مات . وكان احتلال تلك النواحي من الصعوبة بحيث صرف « بطرس الكبير » النظر عن العودة إلى محاولة احتلالها . وكذلك انصرف عنها خلفاؤه من بعده إلى مدة خمسين ومائة سنة من ذلك التاريخ لم يقدموا فيها على عمل من هذا القبيل . وظلت روسيا بعد « بطرس الكبير » سبعين عاما لا تعتدي على أرض إيران . وكان ما يوقفها عن التعدي هو الرعب الذي أوقعته حروب « نادر شاه » بجيران إيران . وفي عهد « كاترين الثانية » ، بعد الحرب الثانية التي وقعت بين روسيا والدولة العثمانية ، ولم تبلغ فيها روسيا إلى ما كانت ترجوه من القضاء على العثمانيين ، وجعل شعوب البلقان النصرانية أتباعا لها ، ونصب نفسها حامية لهم ، وضع رجال البلاط الكاتريني خطة أخرى لبلوغ غايتهم .

هامش
( 1 ) مدينة في جمهورية أوزبكستان على حافة صحراء قراقورم . تشتهر بصناعة السجاد وبآثارها الإسلامية من العصور الوسطى . أصبحت في أواخر القرن السادس عشر الميلادي عاصمة خانية خيوه التي خلفت مملكة خوارزم . احتفظت باستقلالها حتى سنة 1873 م حينما أصبحت محمية روسية . ضمت نهائيا للاتحاد السوفييتي سنة 1920 .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 205 | حسن الأمين