تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
سنوات ، لم يكن « فتح علي شاه » يشكو فيها من شيء إلا رفض انكلترا تأدية المال الموعود ! ومثل هذا الشاه كان من الطبيعي أن يحشد في بلاطه المتملقين . ومن أجل أن يعفي نفسه من الإنعام عليهم بشيء من ماله الخاص كان يطلق يدهم على الناس يسلبون منهم ما يشاؤن ، وهم يخدعونه ويضللونه بالتملق ، ويزينون له سيئاته ويجعلونها في عينيه حسنات ! كانت إيران قد أصبحت ، من جهة الشمال والجنوب والشرق ملعب السياسة الأوروبية ومحط أنظار الطامعين الأجانب . وكانت المحافظة عليها تقتضي رجالا من أهل الشجاعة والفداء والتدبير والاطلاع على وقائع السياسة العالمية . وكان « فتح علي شاه » وكل رجال بلاطه تعوزهم هذه الصفات . وكان أعظم خطر تتعرض له إيران يأتيها من ناحية شمالها الغربي والقفقاس - فقد كان نصارى تلك النواحي لا ينفكون يزدادون حقدا على إيران ، يوما بعد يوم ، خصوصا بعد غارات الشاه « عباس الصفوي » و « نادر أفشار » و « آقا محمد خان قاجار » . فلما توسع الصقالبة الروس وزال ما يفصل بينهم وبين تلك النواحي وأصبحوا جيرانا لأهلها ، وعرفوا ما في نفوسهم من حقد على إيران اتبعوا سياسة خاصة أفادتهم كثيرا وألحقت بإيران أضرارا عظيمة . وأعلن أمبراطور روسيا نفسه رسميا حامي نصارى القفقاس . وكانت النتيجة أن خرجت تلك النواحي الغنية من إيران . وبالإجمال كان « فتح علي شاه » في كل تصرفاته وحروبه لعبة السياسات الأجنبية . وكان عهده بداية عهد الانحطاط وأشد أشكال الفساد في تاريخ إيران .

اختلاف إيران وروسيا

من أزمنة تاريخية قديمة إلى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ونهاية القرن الثاني عشر الهجري ظلت حدود إيران الطبيعية من جهة الشمال الغربي جبال القفقاس . وفي القرن الميلادي الثالث قدمت من تركستان الصينية طوائف من الأتراك الرحل واحتلت شيئا فشيئا السواحل الشمالية والغربية من بحر الخزر . وأقامت وراء نهر « جيحون » ووراء جبال القفقاس ، مجاورة إيران . وظلوا في إيران . وظلوا في أماكنهم تلك يجاورون أيضا أقواما من الأوروبيين عرفوا باسم « الصقالبة » ( السلاف ) إلى القرن الهجري الرابع ، إذ دخلوا إلى إيران من جهة الشرق . وفي القرن الهجري الثامن دخلوها من جهة الغرب . كان الصقالبة يتقدمون إلى السواحل الشمالية الغربية من بحر الخزر ومصب نهر « الفولغا » ويطردون الأتراك نحو الجنوب ، نحو أرض إيران . وفي تلك الحقبة تواجه الإيرانيون والروس . وذكر اسم الروس في تاريخ إيران أول مرة في سنة 298 هالموافقة سنة 911 هإذ قطع جيش روسي بحر الخزر على أسطول من ست عشرة سفينة وأغار على « طبرستان » ووقعت معركة بينهم وبين الإيرانيين . ومن ذلك التاريخ إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي والقرن الحادي عشر الهجري قام الروس ببضع هجمات على نواحي مختلفة من إيران ، لم تؤد إلى احتلالهم شيئا من أرض إيران ، ولا جرت وراءها ذيولا . وفي سنة 1668 م الموافقة 1079 هوقعت مجاعة في نواحي نهر « الدنيبر » من روسيا ، فهاجرت جماعة كبيرة من أهلها إلى نواحي نهر « الدون » . وهناك جندهم أحد القوزاق ، واسمه « ستانغورازين » وأخذ يغير بهم على سواحل بحر الخزر ويحتلها شيئا فشيئا . إلى أن أغار في ربيع تلك السنة من طريق البحر على سواحل إيران بين « دربند » و « باكو » . فأمر « الشاه سليمان الصفوي » الثاني ( 1 ) حاكم « جيلان » أن يصده . ودافع أهالي ذلك الإقليم دفاعا شديدا وردوه على أعقابه ، بعد أن كان عسكره قد وصل إلى أبواب مدينة « رشت » . وانتقم « ستانغورازين » لهزيمته بإيقاع مذبحة عظيمة بأهالي مدينة « فرحآباد » من أعمال مازندران . وكان الإيرانيون قد جهزوا أسطولا لمقاومته فتمكن من إغراقه في سنة 1669 م الموافقة سنة 1080 هولكنه لم يعد بعدها إلى التعدي على أرض إيران . وفي مطلع القرن الثامن عشر الميلادي كان قياصرة روسيا يحادون أرض إيران بسبب إجلائهم الأتراك الغربيين المقيمين وراء [ حبال ] جبال القفقاس وإخضاع من بقي منهم لحكمهم ، بعد أن ظل هؤلاء الأتراك مدة قرون يفصلون الإيرانيين عن الصقالبة الروس . وكانت أرمينيا و « كرجستان » موضع نزاع حربي طويل بين الملوك الصفويين والملوك العثمانيين . ولكنهما كانتا ، في الغالب ، تتبعان إيران وتؤديان الخراج إليها . وكانت تحكم « كرجستان » سلسلة من الأمراء النصارى قد تخلقوا بأخلاق المدنية الإيرانية ، حتى إن أكثرهم كانت أسماؤهم إيرانية . بل كانوا يبعثون بأبنائهم وأقربائهم إلى أصفهان يقيمون فيها . وكان كثير من بناتهم متزوجات بامراء من الصفويين . وأول من عزم على التسلط على إيران من قياصرة روسيا هو « بطرس الكبير » . فقد كان يريد الاستيلاء على ممتلكات العثمانيين والتسلط على إيران . وكانت خطته الأساسية هي جعل روسيا مركز الاتصال بين آسيا وأوروبا . فبعد أن جعل دول البلطيق تابعة له أراد أن يفتح طريقا إلى بحار آسيا . وبعد أن حارب الدولة العثمانية في سنة 1711 م الموافقة سنة 1123 هاتجه نحو إيران . وكان الشاه « سلطان حسين الصفوي » ( 2 ) العاجز أضعف من أن يصد « بطرس الكبير » عن الفتح . وأرسل « بطرس الكبير » في سنة 1715 م الموافقة سنة 1127 ه‍ « آتيمي فولنسكي » سفيرا له إلى إيران . وأعطته وزارة الخارجية القيصرية بيانا مكتوبا بالمطالب التي عليه أن يتحراها في إيران ويزود الوزارة بمعلومات عنها . ولما أطلع « بطرس الكبير » على هذا البيان أضاف إليه بخطه هو نفسه أشياء أخرى . وكان ما طلب منه هو كسب معلومات دقيقة عن طرق المواصلات البرية والبحرية والنهرية الحربية والمدنية بين كل المدن والمرافىء وغيرها ، والأوضاع العامة لكل النواحي ، وأي الأنهار الكبير يصب في بحر الخزر ، وكل ما يتعلق بالقلاع والحصون وأحوال الطرق ولا سيما إقليم « جيلان » ، وأمثال ذلك .

هامش
( 1 ) ملك من 3 ربيع الثاني سنة 1077 هإلى 13 ذي الحجة 1105 ه‍ .
( 2 ) تولى الملك بعد أبيه « الشاه سليمان الصفوي » في 14 ذي الحجة 1105 ه‍ . وخلعه محمود الأفغاني في 11 المحرم سنة 1135 ه‍ ( راجع ترجمته ) .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 204 | حسن الأمين