مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 203
هذا ولايران في الهند نفوذ ثقافي وأخلاقي وحضاري راسخ ، بدأ من القرن الهجري الخامس ، من زمن السلطان محمود الغزنوي . حتى أن اللغة الفارسية ظلت مدة ثمانية قرون اللغة الرسمية لجميع الحكومات التي قامت في الهند . بل إن اللغة الفارسية كانت هي الرابطة بين طوائف الهند المختلفة . وهي طوائف يستقل كل منها بلغة خاصة لا تفهمها الطوائف الأخرى . وبينها أيضا تباين في العقائد الدينية . ولم يكن بينها من جامعة غير اللغة الفارسية . بل ظلت اللغة الفارسية اللغة الرسمية للحكومة الإنكليزية في الهند إلى سنة 1850 م الموافقة 1266 هإذ استطاع الإنكليز يومئذ إبطالها وإحلال اللغة الإنكليزية في محلها . فكان هذا الوضع يعد أيضا في جملة العوامل التي تضطر الطامعين في الهند إلى إضعاف إيران لاضعاف نفوذها الفكري في الهند . هذه الأوضاع العالمية جعلت إيران يومئذ ميدانا حاميا للمنافسات القائمة بين دول أوروبا ، ولا سيما إنكلترا وروسيا . وبلاط « فتح علي شاه » العاجز يتأرجح بين مختلف الاتجاهات . ولم يتهيأ لإيران يومئذ رجال أكفياء يستطيعون النهوض بالمسؤوليات المترتبة على ما يدبر لإيران من دسائس متنوعة وراء الستار . و « عباس ميرزا » ابن « فتح علي شاه » ونائبه وحده من كان أهلا لذلك لما أوتي من مواهب فطرية . وقد هيا يوم كان نائبا عن الملك في تبريز بضعة رجال أكفياء بارشاداته وتوجيهاته . أشهرهم « الميرزا عيسى الفراهاني » المعروف بلقب « القائممقام » ولقب « الميرزا الكبير » وابنه « الميرزا أبو القاسم » المعروف أيضا بلقب « القائممقام » وكان كاتبا شاعرا اتخذ لنفسه اسما مستعارا هو « ثنائي » . ولكن ما حيلة هذين الرجلين العظيمين وسط هذا الخضم من الدسائس والفتن ؟ ! وأدت تلك الأوضاع المتردية إلى نتائجها المشئومة . واتفق أن قام في أوروبا ، أيام ملك « فتح علي شاه » ، رجال عظماء غيروا مصير العالم المتمدن وجعلوا الدنيا بأسرها لعبة قدراتهم السياسية والعسكرية وحولت خطط « [ نابليون ] ناپلئون » الأول أمبراطور فرنسا و « بولس » و « الإسكندر » أمبراطوري روسيا والأمير « مترنيخ » رئيس وزراء النمسا دولا أقوى من إيران إلى دول عاجزة . فكيف بإيران . وهذه حال ساستها وحكامها ؟ ! وفي تلك الأيام ، في القرن التاسع عشر الميلادي الموافق للقرن الثالث عشر الهجري ، فقدت إيران أكثر من ثلث أرضها في جهة الشمال الشرقي والشمال الغربي والشرق والغرب . مقتل الحاج محمد إبراهيم كلانتر ومن الأحداث الداخلية المهمة التي وقعت أيام تملك « فتح علي شاه » إقدامه على قتل « الحاج محمد إبراهيم كلانتر » الشيرازي . فقد سبق أن كان هذا في مبدأ أمره وزير « لطف علي خان زند » . ولكنه واطا في السر « آقا محمد خان قاجار » وانحاز إلى القاجاريين ينصرهم على الزنديين . وقد بلغ من نصرته لهم أن عده بعض المؤرخين العامل الأول في إسقاط الزنديين وإيصال القاجاريين إلى منصب الملك ( 1 ) ( 1 ) راجع تفاصيل هذه الواقعة في ترجمة « لطف علي خان زند » وترجمة « آقا محمد خان قاجار » . . وقد كافأه « آقا محمد خان » بعد تملكه بمنحه لقب « اعتماد الدولة » ونصبه في مقام الصدر الأعظم . وبعد مقتل « آقا محمد خان قاجار » وتملك « فتح علي شاه » في سنة 1212 هأبقاه هذا في منصبه ، منصب الصدارة العظمى . وأصبحت شؤون البلاد الإدارية والمالية في عهدته يتصرف بها على هواه . وقد توسل بمنصبه وسلطاته هذه إلى جمع ثروة ضخمة والتمكن من نفوذ واسع . فنصب أقرباءه وأصدقاءه حكاما على مختلف نواحي إيران ، وأطلق أيديهم ينهبون الناس ويكنزون المال ويقاسمونه ما ينهبون ، حتى ضاق « فتح علي شاه » به ذرعا . فعزم على التخلص منه . من أجل ذلك أصدر « فتح علي شاه » سنة 1215 ه ، وكان قد مضى على تملكه ثلاث سنوات ، أمرا سريا بان يعتقل في وقت واحد كل حاكم عينه « الحاج محمد إبراهيم » في ولاية من الولايات ، فاعتقلوا وسجنوا . وفي يوم اعتقالهم نفسه اعتقل « الحاج محمد إبراهيم » في طهران فاعمي ثم قتل . وكان بين المعتقلين أبناؤه وإخوته فقتلوا بعضهم وأعموا آخرين . وكذلك فعلوا بجماعة من مريديه . وصادروا أموالهم . وبعد مقتل « الحاج محمد إبراهيم » الشيرازي ، نصب « فتح علي شاه » في منصب الصدارة العظمى « الميرزا محمد شفيع القديمي » المازندراني . وكان امرأ مستقيما أمينا جادا ذكيا . وكان له نشاط واسع في توجيه السياسة الإيرانية الخارجية . غرور فتح علي شاه كان « فتح علي شاه » مستبدا برأيه لا يستشير أحدا في قراراته . وكثيرا ما كان يغضبه أن يشير عليه أحد برأي [ بخالف ] يخالف رأيه . وكل أعمال الدولة يحبب أن توافق هواه الخاص . وأعظم ما منيت به إيران يومئذ من مصائب إنما كان جهل هذا الشاه بكل ما يقتضيه منصبه من أمور ، خصوصا الأوضاع العالمية وتعقيدات ذلك الزمان السياسية ، التعقيدات التي بلغت حدا بعيدا من الغموض والتشعب . وإلى هذا غرور فيه يصرفه عن تحري الحقائق واستشكافها فلا يرى في نفسه حاجة إلى ذلك . وخير دليل على ذلك تلك الكتابة التي أمر بنقشها على قبره ، فقد جعل فيها من انكساراته الفاحشة انتصارات وفتوحا ووصف نفسه بكل جمال باطني وظاهري ، وجعل من نفسه موجودا كاملا . ولذلك لم يكن يرى لأحد رجحانا عليه بشيء . حتى إنه لم يكن يرى نفسه أقل من « [ نابليون ] ناپلئون » . ويرى جميع ملوك العالم أدنى منه مكانة . وكان « فتح علي شاه » يعالج السياسة الخارجية ويعامل الدول الكبرى ، أي روسيا وانكلترا وفرنسا والدولة العثمانية ، ويدخل ميادين الحرب بمثل هذا الغرور والجهل . فلا يتصور أن دولة من هذه الدول تستطيع التغلب عليه ، أو أنه يمكن أن يرتكب خطا ما . وكان كعمه وسلفه « آقا محمد خان » محبا للمال . يقبض يده عن بذل المال حتى في تجهيز الجيش وأشد حالات الحرب حاجة إلى المال . وبعد كل من الحربين اللتين وقعتا بين روسيا وإيران ، وانهزم فيهما « فتح علي شاه » كان حديثه في مفاوضات الصلح كله يدور على طلب إنقاص مقدار الغرامة التي تطلبها روسيا من إيران ، ولم يتحدث قط عن إنقاص مقدار الأرض التي تحتلها روسيا من إيران ! وسيأتي ذكر معاهدة انعقدت بين إيران وانكلترا . وفي هذه المعاهدة مادة تقضي بان تمنح انكلترا إيران مقدارا من المال في كل شهر إذا وقعت حرب بين روسيا وإيران . وقد نقضت انكلترا هذه المعاهدة . وصار هذا النقض موضوعا لمذاكرات بين إيران وانكلترا دامت بضع