المصاعب كان الاختلافات العائلية التي أوجدها ما عرف عن « آقا محمد خان » من غدر ونقض للعهود ونكران للجميل ، حتى أنه غدر بارحامه الأدنين . وقد ظلت هذه الخلافات راسخة في العائلة القاجارية المالكة بعد ذلك ، فما اعتلى العرش واحد منهم إلا نازعه إياه غير واحد من القاجاريين .
ملك « فتح علي شاه » وهو شاب في السابعة والعشرين من عمره .
ومع ذلك كانت تنقصه أهم خصال الشبيبة من شجاعة وجرأة . كانت فيه كل معائب عمه « آقا محمد خان » دون حسناته من حسن تدبير وشجاعة .
كان ، كعمه ، محبا للمال ، بل أنه فاق عمه في هذه الصفة . فقد كان عمه لا يتأخر في تأدية ما يترتب عليه من نفقات لتجهيز الجيوش وأعطيات الجنود .
أما « فتح علي شاه » فكان على العكس ومن أهم أسباب انكساره مرتين في محاربته للروس بخله على جنوده ، حتى إنه امتنع عن إمدادهم بالطعام والعلوفة وهم في ميدان الحرب . وكان يتوقع أحيانا أن تشارك إنكلترا في تأدية نفقات حربه هذه ! روى أحد رجال « فتح علي شاه » أن ولي عهده قائد جيشه في محاربة الروس « عباس ميرزا » كان يحتاج إلى معدن الرصاص لصنع طلقات البنادق ، وأبوه يبخل عليه بالمال لشراء الرصاص . وقال له مرة : إن ثمن الرصاص غال ، وتوفير الرصاص اللازم لعتاد الجيش يقتضي ميزانية ضخمة . فلما ذا لا تأمر بجمع الرصاص الذي يسقط على الأرض في ميدان الحرب ، وإعادة صهره وصنعه ؟ . . وزاد في جبن « فتح علي شاه » الطبيعي اعتقاده بالخرافات ، كاختصاص [ نجموم ] نجوم بالسعود وأخرى بالنحوس ، وتوسله بالطلاسم والسحر لقضاء الحاجات . ومن ثم كان أبعد شيء عن الحزم والصبر على الشدائد ، وخير ما يدل على روحيته أنه كان يرى نفسه أجمل رجل في الدنيا وأكثر رجال الدنيا جاذبية . وأوضح سند لهذه الدعاوي هو أنه أوعز في أواخر حياته إلى رئيس مكتبة الخاص « الميرزا تقي عليآبادي » - وكان شاعرا كاتبا - بكتابة رسالة في شرح حاله تطابق دعاواه تلك . فكتب رسالة صغيرة بالانشاء المتكلف الذي كان متداولا في ذلك الزمان وسماها « شمائل الخاقان » . وأمر جماعة من الخطاطين بكتابة نسخ كثيرة عنها زخرفت وذهبت . ولا تزال نسخ منها تباع حتى اليوم عند الوراقين . وبعد موته نقشت هذه الرسالة بخط جميل على صفحة حجر من المرمر ونصبت على قبره في مدينة « قم » . وفي هذه الرسالة عكسوا جميع انكساراته الحربية فجعلوها انتصارات وفتوحا .
نساء « فتح علي شاه » وأبناؤه
ومن معائبه الدالة على سقوط همته وانصرافه عن أمور المملكة الجدية إلى شهواته الشخصية الخاصة أنه تزوج بأكثر من ألف امرأة ، منهن ثمان وخمسون ومائة امرأة ذكرت أسماؤهن في كتب التاريخ . وولدت له هذه النساء اثنين وستين ومائتي ولد ما بين صبي وبنت . مات منهم في حياته تسعة وخمسون ومائة ، وترك بعد وفاته ثلاثة ومائة ولد ، منهم سبعة وخمسون ذكور وستة وأربعون إناث . وفي مدة 47 سنة ، وهي مدة ما بين زواجه الأول ووفاته ، بلغت عدة نسله إلى ألفي نسمة ما بين ابن وحفيد ، مات أكثرهم في حياته .
ونساؤه من أعراق مختلفة ، من تركمان وكرج وأكراد وأتراك وشراكسة وغيرهم . ولم يكن بين أبنائه ألفة ولا مخالطة ، يعيشون كالغرباء بعضهم عن بعض . بل كانت بينهم عداوات ومنافسات ، والبلاط لا ينفك يضج بالخلافات والمنافسات على ولاية العهد . خلافات ومنافسات تمتد حتى تشمل نواحي المملكة من أدناها إلى أقصاها . وينقسم المختلفون إلى فريقين ، فريق يستنصر بالروس وفريق يستنصر بالانكليز . فيكون لذلك أوخم العواقب في شؤون البلاد .
وكان أكفا أبنائه وأشجعهم وأنزههم « عباس ميرزا » نائب الملك وولي العهد . ولم يكن أكبر أبنائه . ولذلك كان من هم أكبر منه من إخوته يرون أنهم أحق بولاية العهد . وكان « عباس ميرزا » هذا قائد جيوش أبيه في جميع الحروب المهمة التي خاضها . وكان إخوته يسعون إلى إسقاط منزلته وإذلاله في البلاط . حتى أنهم كان يرضيهم أن يتغلب الأجنبي العدو عليه ليصلوا إلى هذه الغاية . وكانوا يتوسلون بمختلف الوسائل ليمنعوا وصول المال إلى جنوده ويقطعوا المدد عنه ليعجزوه في ميدان الحرب ويقضوا عليه . وهذه الحقائق مذكورة في جميع المستندات التي وصلت إلينا عن تاريخ تلك الحقبة .
نصب « فتح علي شاه » أبناءه حكاما على مختلف نواحي إيران ، ومنها النواحي الحدودية الحساسة ، في المغرب والجنوب والجنوب الغربي والجنوب الشرقي . ولم يقتصر شرهم على ما كان بينهم من خصومة وأن كلا منهم لا يألوا جهدا في الكيد للآخر بكل نوع من أنواع العرقلة في العمل والفتنة . بل كانوا أيضا يعصون أوامر الحكومة المركزية . وكانت هذه السيرة تؤدي ، بالضرورة ، إلى إضعاف إيران في مواجهة جيرانها والأجانب بصورة عامة ، وتسهل على أعدائها طريق الوصول إلى مقاصدهم . فكانت أيام ملك « فتح علي شاه قاجار » أسوأ ما مر بإيران من عهود . ولم يسبق أن فقدت إيران أجزاء مهمة من أرضها بقدر ما فقدته في تلك الحقبة .
الأوضاع الخارجية
وزاد الأمر سوءا أيام تملك « فتح علي شاه » أن أنظار الدول القوية اتجهت يومئذ إلى ثروات آسيا وإفريقيا ، فاندفعت إليهما تستعمر أرضهما أو تستولي عليها بعنوان الحماية ، وليس في القارتين قوة مادية ولا معنوية تستطيع مقاومة الطامعين .
في شمال إيران لا تنفك الإمبراطورية الروسية الواسعة تزداد سعة وقوة يوما فيوما . وفي غرب إيران اتفقت دول أوروبا كلها على الإمبراطورية العثمانية حتى قضت عليها واستولت على تركتها . وفي شرق إيران لا تنفك قبضة انكلترا تزداد استحكاما وقوة على شبه القارة الهندية . ودول العالم الكبرى ، ولا سيما روسيا وفرنسا والنمسا ، نتطلع أنظارها إلى ثروات الهند الضخمة المنقادة لكل طامع ، ولا تنفك تتحرى كل وسيلة لتقصير يد انكلترا عنها ، وإيران جارة الهند والطريق الطبيعية لأوروبا ، ولا سيما روسيا وفرنسا ، للوصول إليها . فروسيا تسعى جهدها إلى تقليص أرض إيران لتزداد قربا من الهند ، وفرنسا تأمل أيضا بان تجعل من أرض إيران طريقها إلى الهند . وانكلترا تسعى ما استطاعت إلى توسيع الفاصل ما بين مستعمرات روسيا والهند ، وتقوية استقلال أفغانستان لتبقى حاجزا يصد عن الهند .
وفي الجنوب لم يكن لانكلترا بد من أن تجعل العرب القاطنين في أطراف الخليج خاضعين لحكومة الهند ، لكي تطمئن إلى سلامة طريق الهند من تلك النواحي .