ويعلق محمد اليعلاوي على القصيدة بما يلي ، مصرا على تسمية الفاطميين ببني عبيد : هذا القصيدة المطول ليس فيه هجاء لبني عبيد ولا مدح للخارجي ، وإنما القسم الأوفر منه ، وهو الأهم ، مدح قوي للقيروان وأهلها . فلذلك لم يرو الدباغ من الرائية إلا هذا القسم الذي احتل ثلثي القصيدة . فبعد المقدمات الحكمية يأتي الفخر بالقيروان وساكنيها . وفي القسم الأخير تعرض خفيف للعبيديين ، يقتصر على بيان الفرق المذهبي بينهم وبين أهل القيروان في ناحية معينة ، وكأنها رمز وهي موقف هؤلاء وأولئك من الصحابة . فليس إذن في القصيدة ما يستوجب النقمة من الخليفة الفاطمي على الشاعر ، ولذلك أمنه وجازاه . وليس للقصيدة من قيمة إلا تاريخية مذهبية إذ نقف من خلالها على مدى الحذر والاحتراز الذي لازمه أهل القيروان إزاء أبي يزيد . على أن أبا [ القسم ] القاسم الفزاري لم يلازم دائما هذا الحياد إزاء الفاطميين ، فلقد روى المالكي له أبياتا أخرى فيها تهجم عنيف على معتقدات الشيعة واتهام لهم بالمروق عن الدين . ( 1 ) ومن شعر الفزاري المتصل بالفاطميين مدحته في المنصور العبيدي بعد أن أمنه مع كافة أهل القيروان . وهي قصيدة ذات ثلاثة وستين بيتا خصص ثلاثة وثلاثين منها لاستعراض أجواد العرب وشجعانهم ومشاهير رجالاتهم في الجاهلية . وكان القصيدة اشتهرت بهذه الإشارات التاريخية أكثر منها بمعانيها المدحية ، فسميت لشهرتها « القصيدة الفزارية » . وهي لا تزال مخطوطة ، ومعها تعريف بالأعلام المذكورين في القصيدة ، وتلخيص لبعض بطولاتهم المعروفة في أدب « أيام العرب » ، وهذا الشرح الذي تخلل الأبيات مجهول المؤلف . والقصيدة بشرحها توجد مخطوطة بالمتحف البريطاني ( 2 ) وبمكتبة برلين ( 3 ) وقد ذكر اليعلاوي القصيدة بكاملها ، ونحن نأخذ منها هنا ما له علاقة بمدح الخليفة الفاطمي :
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 190
مساهمون: حسن الأمين
ص١٩٠
أحاط بأهلها علما وخبرا
وميز ما أكنته الصدور
وجللهم بعافية وأمن
وأسبل فوقها ستر ستير
وأنبت جلة العلماء فيها
بحار لا تعاد لها بحور
ومنها سادة العلماء قدما
إذا عدوا ، وليس لهم نظير
وفيها القوم عباد خيار
فقد طاب الأوائل والأخير
شعارهم التقى والخوف ليلا
على أقدامهم غيب حضور
كأنهم لخوف الله موتى
أقامهم إلى البعث النشور
بلاد حشوها علم وحلم
وإسلام ومعروف وخير
هم أفتكوا سبايا كل أرض
وفأدوا ما استبد به المغير
كفيناهم عظائمها جميعا
فزالت عنهم تلك الشرور
وسكنا قلوبا خافقات
أمات عروقها ضر ضرير
وآوينا وآسينا وكنا
لهم أهلا وأكثرهم شطير
فبات طعامنا لهم طعاما
هناك ، ودورنا للقوم دور
وكان لنا ثواب الله ذخرا
وقام لشكرنا منهم شكور
ولولا القيروان وساكنوها
لغاب طعامهم والمح رير
كان القيروان وهم عراة
حفاة ، محشر فيه المصير
فهل للقيروان وساكنيها
عديل حين يفتخر الفخور ؟
عراق الشرق بغداد وهذي
عراق الغرب بينهما كثير
ولست أقيس بغدادا إليها
وكيف تقاس بالسنة الشهور ؟
بلاد تقصف العظماء قصفا
إذا ما رامها منهم غدور
بلاد خطها أصحاب بدر
وتلك اختط ساحتها أمير
بناها المستجاب وقد دعا
في جوانبها دعاء لا يبور
بناها كل بدري كريم
كان صفا وجوههم بدور
هم صلوا بمسجدها براحا
وليس له جدار مستدير
وهم وضعوا له اسا متينا
فقدست المواضع والصخور
وقادهم الأذان إليه حتى
أضاءهم من المحراب نور
ولم يسبقهم ملك ظلوم
لتأسيس ولا ملك كفور
وأصحاب النبي له بناة
فلا عصيان فيه ولا فجور
أقاموا شطر قبلتهما سويا
إلى البيت العتيق فلم يجوروا
وإن عراصه لمقدسات
مباركة وتربته طهور
بها حلق العلوم لها دوي
يجاوبها الكتاب المستنير
ألا أبلغ معاشر ليس عندي
لهم غدر ولا فيهم غدير
نحب صلاحهم وهم غضاب
علينا ، إن ذا جور كبير
ضمائرهم مراض واجمات
علينا لا أفاق لهم ضمير
ولا ذنب لنا إلا لأنا
سلمنا حين عمهم الثبور
قال المالكي في كتابه ( رياض النفوس ) : ثم مضى فيها حتى انتهى إلى قوله منها :
وليس لنا كما لهم حصون
ولا جبل أعاليه وعور
ولا سور أحاط بنا ولكن
لنا من حفظ رب العرش سور
ولا ناوي إلى بحر وإنا
إذا قضي القضا تنحى النحور
ولكنا إلى القرآن ناوي
وفي أيماننا البيض الذكور
عقائق كالبوارق مرهفات
بها تحمى الحرائم والثغور
وسمر في أعاليهن شهب
بها ظما ، مواردها النحور
لنا شيب جحاجحة ليوث
وشبان غرانقة صقور
وكلهم شديد البأس جلد
جريء قلبه ثبت وقور
وإنا بعد من خوف وأمن
نحب إذا تشعبت الأمور
رسول الله والصديق حبا
به ترجى السعادة والحبور
وبعدهما نحب القوم طرا
وما اختلفوا فربهم غفور
ألا بأبي وخالصتي وأمي
محمد البشير لنا النذير
ساهدي ما حييت له ثناء
مع الركبان ينجد أو يغور
ولا كان قعقاع بن ثور إذا اجتبى
جليسا له مذ سيق بين الأقادم
« 4 » بامنع مني في جوار خليفة
عطوف على أهل البيوتات راحم
كريم الأيادي والمساعي نمت له
أبوة صدق من ذؤابة هاشم
شريف الأقاصي والأداني مقدم
إذا ما عددنا فضل أهل المكارم
هامش
( 1 ) أعرضنا عن ذكر هذه الأبيات لبذاءتها وتفاهتها ( ح )
( 2 ) عدد 3752 شرقي .
( 3 ) عدد 8577 من فهرست أهلورات .