ما ذكره اليعلاوي وهو يترجم للشاعر أبي القاسم الفزاري
نأخذه هنا على طوله لما له من علاقة بالأيادي وهجائه للفزاري ، ولما فيه من دلالات على الحياة وأطوارها في تلك الأيام . قال اليعلاوي عن الفزاري : ترجم له حسن حسني عبد الوهاب ( 1 ) فقال إنه ولد بالقيروان ونشا بها وان اسمه محمد بن عبد الله ، وأن أباه كان عاملا للفاطميين على خراج الساحل الإفريقي فهرب بالمال إلى مصر الاخشيدية . ويقول أبو العرب في طبقاته أن جده ( إبراهيم ؟ ) هو « الفزاري المقتول على ما شهد عليه به من التعطيل ( و ) كان من أهل الجدل » والمناظرة . ( 2 ) ويورد القفطي في ذيل ترجمة الفزاري الأب ، البيتين الذين هجا بهما ( علي بن ) محمد ( الايادي ) التونسي ، أبا القاسم الفزاري ملمحا إلى زندقة جده وخيانة أبيه . ويضيف ح . ح . عبد الوهاب في ترجمته أنه مدح أبا يزيد الخارجي حين تغلب على القيروان ، ثم مدح المنصور الفاطمي حين ظفر بأبي يزيد ، بقصيدة طويلة اشتهرت باسم « القصيدة الفزارية » ( انظر نصها فيما يلي ) ، وقد استهلها بذكر مائة علم من أعلام العرب وأسيادهم وأجوادهم . وقال إنه توفي سنة 345 / 956 م . ولا نعرف عنه إلى جانب هذه المعلومات القليلة ، إلا ما رواه المالكي في رياض النفوس وما نقله عنه ابن ناجي في معالم الايمان . ويظهر من هذين الكتابين في طبقات فقهاء القيروان وزهادها وعبادها وصلحائها أن أبا القاسم الفزاري كان أميل إلى أهل السنة منه إلى الشيعة ، وأنه ، لئن مدح المنصور العبيدي ، فمكرها ، ليكفر عن مدحه لأبي يزيد حين دخل القيروان سنة 333 . وإنما حمل أبو القاسم على مدح الخارجي حملا ، لأن الرأي العام السني بالقيروان كان يفضل بين الشرين ، شر الأباضية الصفرية ، وشر الشيعة ، أخفهما وهو مذهب الخوارج . فلذلك أفتى بعض فقهاء القيروان ، وهو « أبو الفضل عباس الممسي » بوجوب الخروج مع أبي يزيد وقطع دولة بني عبيد « لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم اسم الإسلام . . . » وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين « ، فلا تتوارثوا » معهم ولا تتناسبوا . . . « ( 3 ) ولم يقتصر أبو الفضل الممسي على الإفتاء ، بل شارك بنفسه في حرب الفاطميين مع أبي يزيد ، ولقي حتفه بمعركة الوادي المالح سنة 333 صحبة خمسة وثمانين صالحا من صلحاء القيروان . ورثاه أبو القاسم الفزاري . وحتى هذا المدح لأبي يزيد لم يكن مدحا بقدر ما كان فخرا بالقيروان وعلمائها ، وينبئنا صاحب رياض النفوس عن بركة الفقيه « أبي إسحاق السبائي » قائلا : « . . . ومن إجابة دعوة أبي إسحاق ( السبائي ) أن أبا القاسم الفزاري الشاعر كان قد هجا بني عبيد في أيام أبي يزيد . فبعد قتله ( قتل أبي يزيد ) طلبه السلطان ( طلب الفزاري ) لقتله ، فلجا إلى السبائي ، وهو فرق خائف ، فقال له : أنت تعلم ما يراد بي . فقام أبو إسحاق فدخل خزانته وأقبل يدعو ويقول كلاما بعضه يفهم وبعضه لا يفهم ، ثم قال لأبي القاسم : امض اشتر غداءك وادخل الحمام ثم امض إليه ، فلن ترى شيئا تخافه . قال أبو القاسم : فخرجت من عنده ففعلت ما أمرني به من الغداء ودخول الحمام ووثقت نفسي بقوله ودعائه . ثم مضيت إلى السلطان ( المنصور الفاطمي ) فدخلت عليه فقال بعض من في مجلسه : يأمرك السلطان بان تنشد بعض ما قلت في أيام أبي يزيد . فترفعت عن ذلك وخفت ، فقال : أنشدها ولك الأمان ، ( قال ) فأنشدته القصيدة الرائية . . . ( انظر نصها فيما يأتي ) قال المالكي : فلما فرغ من إنشادها ، لم يعرض له إسماعيل ( المنصور ) بسوء . . . فعافاه الله تعالى من شره بدعاء الشيخ السبائي » . ( 4 ) من القصيدة الرائية :