تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وبقر بطونهن وفرت الناس إلى القيروان حفاة عراة ومات الناس جوعا وعطشا ونهب مدينة تونس . وفي سنة 333 أمر القائم بحفر خندق على أرباض المهدية . ونزل أبو يزيد قريبا من المهدية ونهب ما حولها وخرج إليه جيش القائم فهزمه أبو يزيد ومضى إلى الخندق ، وهاجم المهدية من البحر ، وبلغ مصلى العيد ولم يبق بينه وبين المهدية الا رمية سهم . ثم قويت نفوس أهل المهدية وتحاموا واقتتلوا قتالا شديدا فازالوا أبا يزيد وأصحابه عن البلد ، وأتته جميع القبائل من طرابلس ونفوسة والزاب وأقاصي المغرب . وكان عامة جنده من البربر . وحاصر المهدية أشد حصار ومنع عنها الداخل والخارج وهاجمها مرتين ، وفي المرة الثالثة انهزم عنها وقتل من أصحابه خلق كثير ، وظل على حصارها فلقيت الشدائد حتى أكل أهلها الميتة والكلاب والدواب . وفي سنة 334 وقع اختلاف في عسكر أبي يزيد فتفرقت جموعه ولم يبق معه إلا ثلاثون رجلا فرجع إلى القيروان . فأرسل القائم عمالا إلى البلاد وأخرجوا عمال أبي يزيد . ثم قوي عزمه مرة أخرى وأتته البربر من كل فج فبعث عسكرا إلى مدينة تونس فدخلها بالسيف في 10 صفر سنة 334 وانتهبوا وسبوا النساء والأطفال وقتلوا الرجال وهدموا المساجد . وتوفي القائم والمعارك متواصلة سجالا والمدن تنهب وتسبى وتقتل وتولى بعده ( المنصور بالله ) إسماعيل سنة 334 فلما استوثق له الأمر جد في قتال أبي يزيد فازاله عن مدينة سوسة بعد معارك فانهزم أبو يزيد إلى القيروان والتحق به المنصور فكانت بينهما حروب تبادلا فيها النصر والهزيمة إلى أن حلت الهزيمة النهائية بأبي يزيد وأسر فمات بعد أسره بأربعة أيام آخر [ الحرم ] المحرم سنة 335 .

ما ذكره اليعلاوي وهو يترجم للشاعر أبي القاسم الفزاري

نأخذه هنا على طوله لما له من علاقة بالأيادي وهجائه للفزاري ، ولما فيه من دلالات على الحياة وأطوارها في تلك الأيام . قال اليعلاوي عن الفزاري : ترجم له حسن حسني عبد الوهاب ( 1 ) فقال إنه ولد بالقيروان ونشا بها وان اسمه محمد بن عبد الله ، وأن أباه كان عاملا للفاطميين على خراج الساحل الإفريقي فهرب بالمال إلى مصر الاخشيدية . ويقول أبو العرب في طبقاته أن جده ( إبراهيم ؟ ) هو « الفزاري المقتول على ما شهد عليه به من التعطيل ( و ) كان من أهل الجدل » والمناظرة . ( 2 ) ويورد القفطي في ذيل ترجمة الفزاري الأب ، البيتين الذين هجا بهما ( علي بن ) محمد ( الايادي ) التونسي ، أبا القاسم الفزاري ملمحا إلى زندقة جده وخيانة أبيه . ويضيف ح . ح . عبد الوهاب في ترجمته أنه مدح أبا يزيد الخارجي حين تغلب على القيروان ، ثم مدح المنصور الفاطمي حين ظفر بأبي يزيد ، بقصيدة طويلة اشتهرت باسم « القصيدة الفزارية » ( انظر نصها فيما يلي ) ، وقد استهلها بذكر مائة علم من أعلام العرب وأسيادهم وأجوادهم . وقال إنه توفي سنة 345 / 956 م . ولا نعرف عنه إلى جانب هذه المعلومات القليلة ، إلا ما رواه المالكي في رياض النفوس وما نقله عنه ابن ناجي في معالم الايمان . ويظهر من هذين الكتابين في طبقات فقهاء القيروان وزهادها وعبادها وصلحائها أن أبا القاسم الفزاري كان أميل إلى أهل السنة منه إلى الشيعة ، وأنه ، لئن مدح المنصور العبيدي ، فمكرها ، ليكفر عن مدحه لأبي يزيد حين دخل القيروان سنة 333 . وإنما حمل أبو القاسم على مدح الخارجي حملا ، لأن الرأي العام السني بالقيروان كان يفضل بين الشرين ، شر الأباضية الصفرية ، وشر الشيعة ، أخفهما وهو مذهب الخوارج . فلذلك أفتى بعض فقهاء القيروان ، وهو « أبو الفضل عباس الممسي » بوجوب الخروج مع أبي يزيد وقطع دولة بني عبيد « لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم اسم الإسلام . . . » وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين « ، فلا تتوارثوا » معهم ولا تتناسبوا . . . « ( 3 ) ولم يقتصر أبو الفضل الممسي على الإفتاء ، بل شارك بنفسه في حرب الفاطميين مع أبي يزيد ، ولقي حتفه بمعركة الوادي المالح سنة 333 صحبة خمسة وثمانين صالحا من صلحاء القيروان . ورثاه أبو القاسم الفزاري . وحتى هذا المدح لأبي يزيد لم يكن مدحا بقدر ما كان فخرا بالقيروان وعلمائها ، وينبئنا صاحب رياض النفوس عن بركة الفقيه « أبي إسحاق السبائي » قائلا : « . . . ومن إجابة دعوة أبي إسحاق ( السبائي ) أن أبا القاسم الفزاري الشاعر كان قد هجا بني عبيد في أيام أبي يزيد . فبعد قتله ( قتل أبي يزيد ) طلبه السلطان ( طلب الفزاري ) لقتله ، فلجا إلى السبائي ، وهو فرق خائف ، فقال له : أنت تعلم ما يراد بي . فقام أبو إسحاق فدخل خزانته وأقبل يدعو ويقول كلاما بعضه يفهم وبعضه لا يفهم ، ثم قال لأبي القاسم : امض اشتر غداءك وادخل الحمام ثم امض إليه ، فلن ترى شيئا تخافه . قال أبو القاسم : فخرجت من عنده ففعلت ما أمرني به من الغداء ودخول الحمام ووثقت نفسي بقوله ودعائه . ثم مضيت إلى السلطان ( المنصور الفاطمي ) فدخلت عليه فقال بعض من في مجلسه : يأمرك السلطان بان تنشد بعض ما قلت في أيام أبي يزيد . فترفعت عن ذلك وخفت ، فقال : أنشدها ولك الأمان ، ( قال ) فأنشدته القصيدة الرائية . . . ( انظر نصها فيما يأتي ) قال المالكي : فلما فرغ من إنشادها ، لم يعرض له إسماعيل ( المنصور ) بسوء . . . فعافاه الله تعالى من شره بدعاء الشيخ السبائي » . ( 4 ) من القصيدة الرائية :

عجبت لفتنة أعمت وعمت يقوم بها دعي أو كفور تزلزلت المدائن والبوادي لها وتلونت منهما الدهور وضاقت كل أرض ذات عرض ولم تغن المعاقل والقصور فنجى القيروان وساكنيها الله دافع عنها قدير
هامش
( 1 ) ح . ح . عبد الوهاب : مجمل تاريخ الأدب التونسي 1967 ص 96 ، وهو طبعة منقحة من « المنتخب المدرسي من الأدب التونسي » .
( 2 ) طبقات أبي العرب نشر ابن أبي شنب ص 220 .
( 3 ) المالكي : رياض النفوس ج 2 مخطوط القاهرة عدد 116 ورقة 142 ب .
( 4 ) يقول حسن الأمين : لم يعافه الله بدعاء الشيخ السبائي ، وإنما عافاه بتسامح الفاطميين وحلمهم وحسن سيرتهم .