مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 188
وطالبه الدكتور أديب رحال صاحب جريدة ( المرج ) ببدل الاشتراك بالجريدة فكتب إليه : إلى الأديب أمير العلم والعمل من المحب رئيس المفلسين علي جواب صدق قضت فيه مطالبة بقيمة بقيت عندي من البدل فالمال عندي بحق لست أنكره ولا أقابله بالمطل والخيل وما خللت بوعد أو معاملة ولا أحب حياة النفس بالخلل إن الذي عن طريق الدفع أوقفني توقف الناس عن دفع الدراهم لي كم كنت في الزمن الماضي أقدم للأخوان والخل مالي حين كنت ملي فيا فتى المرج يا نعم الأديب ويا طبيبه المبريء العاني من العلل صبرا فنفسك في وسع ونفسي في ضيق تبيت من الإفلاس في وجل وعن قريب إذا ما الله ساعدني أقدم البدل المطلوب بالعجل علي بن محمد الايادي التونسي كتب محمد اليعلاوي بحثا عن ( شعراء إفريقيين عاصروا الدولة الفاطمية ) ، بدأه بالحديث عن ( علي الايادي ) . ونحن نأخذ هنا بعض ما كتبه ، مشيرين إلى أن ما طمس ذكر الايادي وغير الايادي ، هو أن الذين جاؤوا بعدهم غلبت عليهم النعرات المذهبية فتجاهلوهم ، وقد مر معنا مثال لذلك فيما تقدم من الدراسات مثل ترجمة ( أحمد بن الجزار وغيرها ) . قال محمد اليعلاوي : بدأنا بعلي التونسي لأنه هو الذي نعرف عنه أنه عاصر حقا ابن هانئ شاعر المعز الفاطمي . بهذه المعاصرة يشهد الخبر الذي ورد في العمدة ( 1 ) ( 1 ) ابن رشيق : العمدة ، نشر عبد الحميد ج 1 ص 111 . « . . . ولما وصل أبو القاسم ( محمد ) بن هانئ إلى إفريقية هجاه الشعراء ، فقال لا أجيب منهم أحدا إلا أن يهجوني علي التونسي ، فاني أجيبه . فلما بلغ قوله عليا ، قال : أما أني لو كنت الأم الناس ما هجوته بعد أن شرفني على أصحابي وجعلني من بينهم كفئا له » . ونحن نستنتج أن عليا هذا كان شاعرا مشهورا بالقيروان في منتصف القرن الرابع ، وإن شهرته تجاوزت القيروان إلى بقية عواصم المغرب وحتى إلى الأندلس . ذلك أن محمد بن هانئ دخل إفريقية ، أي القيروان أو عاصمة المعز ، صبرة / المنصورية ، حوالي سنة 353 / 964 ، وكان قادما من المسيلة حاضرة الزاب الجزائري . فإذا كان له ، عند مقدمه إلى القيروان ، علم بمكانة الايادي ، فهذا يعني أن شهرة الأيادي تجاوزت البلاط العبيدي ( 2 ) ( 2 ) لم تقتصر العصبية على العصور الماضية ، بل هي لا تزال مستمرة حتى هذا العصر ، فهؤلاء الكتاب تأبى عليهم العصبية أن يسموا الفاطميين باسمهم فينعتونهم بالعبيديين ح ) . والقيروان . ولا غرابة أن ينتشر صيته فيصل على الأقل إلى المسيلة واقليمها فالايادي أصيل تلك الجهة ، على الرغم من دعوته ب « التونسي » ، أي المولود بمدينة تونس آنذاك . و « اياد » هذه التي ينسب إليها ليست بالضرورة قبيلة « اياد بن نزار » جد العرب العدنانيين ولا قبيلة قس بن ساعدة الايادي . وإنما هي فرع من قبيلة « الأثباج » التي كانت نازلة بجبال « المعاضيد » شمالي شط الخضنة والمسيلة . والأثباج ، مثل زغبة ورياح ، بطن من بني هلال ( 3 ) ( 3 ) انظر الفصل الذي كتبه ب . ماسيارا ، عن « المسيلة من القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر » ب « نشرة الجمعية التاريخية والجغرافية لجهة سطيف » ( بالفرنسية ) سنة 1941 ص 183 . وانظر كذلك فصل ه . ر . إدريس عن « بني هلال » بدائرة المعارف الإسلامية الطبعة الجديدة . . وقد يعني هذا الانتساب أن بعض فروع بني هلال كانت قد استقرت بالمغرب قبل الزحف الهلالي بكثير . ومهما يكن من أمر ، فالايادي مشترك بين الجزائر وتونس ، مثل ابن هانئ نفسه . وقد وصف هذه الجبال التي يرجع إليها نسبة الأول ، وذلك حين عرض لمقتل أبي يزيد الخارجي ، ومعلوم أن صاحب الحمار قد اعتصم في نهاية أمره بجبل « كيانة » ، في مجموعة جبال المعاضيد ، ومنها أخذ وقتل . ثورة صاحب الحمار ونرى هنا أن نوجز أحداث صاحب الحمار ، ثم ننقل ما ذكره الكاتب التونسي محمد اليعلاوي عن مواقف بعض فقهاء القيروان من هذه الثورة ومواقف بعض الشعراء وكيف أن أولئك الفقهاء آثروا مناصرة الخوارج الصفرية الذين يكفرون عليا بن أبي طالب وعثمان بن عفان ، ويكفرون جميع المسلمين ممن لم يعتنق عقيدتهم ، آثر أولئك الفقهاء مناصرتهم وقاتلوا الفاطميين معهم : أبو يزيد هذا الملقب بصاحب الحمار ، هو مخلد بن كيداد من معتنقي مذهب الخوارج . كان في أول أمره معلما للأولاد وكانوا يتصدقون عليه ولزم مسجدا يعلم فيه الأطفال و [ ليس ] لبس جبة صوف وعلى رأسه قلنسوة صوف وفي عنقه سبحة ، وصارت له جماعة يعظمونه ويسمعون منه ، وذلك من أيام الخليفة الفاطمي الأول ( المهدي ) ، ولم يزل على ذلك إلى أن اشتدت شكيمته وقويت شوكته فنشر غاراته في بلاد البربر . وفي أيام الخليفة ( القائم ) نزار عظم أمره وأفسد البلاد وحصر ( باغاية ) و ( قسطيلية ) وفتح ( مجانة ) وهناك أهدي له حمار أشهب كان يركبه ودخل به بلاد تونس ونهب ( الأربص ) فغر الناس إلى جامعها فقتلهم فيه وافتض أصحابه فيه الأبكار . وأرسل القائم جيشا لحراسة بلاد باجة فسمع به أبو يزيد فرحل إليه وجعل كل ما مر على مكان أفسده وسبى حريمه ، والتقى جيش القائم فهزمه الجيش أولا ، وعاود معه القتال ثانيا فهزم الجيش ودخل أبو يزيد مدينة باجة بالسيف وأباحها ثلاثا وحرق ديارها وسبى نساءها وعبث بالأطفال الرضع وفعل بأهلها العجائب فخافته جميع القبائل وأتوه طوعا وكرها . وبعث جيشا إلى مدينة تونس فخرج إليه التونسيون فهزموه ، ووقعت فتنة بتونس فكاتب أهل تونس أبا يزيد فامنهم وولى عليهم رجلا منهم . وتوالت أحداثه سجالا حتى نزل على أربعة أميال من القيروان ومن الغد نزل في شرقي ( رقادة ) في مائة ألف بين فارس وراجل وزحف إلى القيروان فهزم أهلها ودخلت البربر القيروان فنهبوا وأفسدوا . وأتاه الخبر أن عسكرا قادم من نحو ( القائم ) فنادى في القيروان : من تخلف عن الجهاد معي حل دمه وماله ، فنفر معه خلق كثير والتقى مع عسكر القائم فانهزم هذا العسكر حتى بلغ المنهزمون المهدية . وبعث سراياه إلى البلاد والحصون التي بها على البحر وأخذ جميع ما فيها من أقوات وسلاح . وفتح مدينة ( سوسة ) وحرق المنازل وسبى النساء ومثل بالناس بقطع الأيدي والأعضاء وشق فروج النساء