وعند ما استولى ملوك مصر على الحجاز احتكروا إكساء الكعبة بينهم ، ولكن ظل لون الكساء أسود .
أما الحادثة التي سنعرض للحديث عنها في مقالنا هذا ، فقد حدثت في أواسط القرن التاسع الهجري في زمن ملوك مصر ( الملك الأشرف إلى الملك الظاهر ) وحاكم خراسان أو حسب تعبير المؤرخين العرب ( ملك الشرق ) شاه رخ ميرزا بن الأمير تيمور [ پورپان ] گوركان .
آلت الحكومة إلى شاه رخ بعد وفاة الأمير تيمور في 807 ه ، فاتخذ من هرات عاصمة له ، وكان يطمح منذ أوائل عهده إلى إكساء الكعبة ، وحسب قول عبد الرزاق السمرقندي صاحب مطلع السعدين فقد « كان بهمته العالية يطمح دائما إلى إكساء الكعبة ولم يكن ذلك ممكنا دون إذن سلطان مصر » .
يذكر المؤرخون المصريون أنه في الرابع والعشرين من المحرم عام 833 دخل القاهرة رسول ملك الشرق ( ملك خراسان ) وهو يحمل رسالة ملك الشرق إلى الملك الأشرف ، وقد ضمن شاه رخ رسالته ثلاثة مضامين :
أولا : يطلب من ملك مصر كتابين هما :
1 - شرح صحيح البخاري للحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني .
2 - تاريخ السلوك لدول الملوك لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي .
والأمر الثاني هو إيفاء نذر شاه رخ لاكساء الكعبة ( ابن تغري بردي 14 / 336 ) .
والأمر الثالث اقتراح باسالة ماء العيون إلى مكة ( المقريزي 8 / 818 ، ابن إياس 2 / 127 ) .
يذكر ابن تغري أن الملك الأشرف لم يعن باي من طلبات شاه رخ ، ولكن ابن إياس يقول بان السلطان بعث إلى شاه رخ بشرح صحيح البخاري وتاريخ المقريزي ولكنه رفض تلبية طلب شاه رخ في إرسال كسوة الكعبة وإسالة ماء العيون إلى مكة بقوله : توجد لكسوة الكعبة أوقاف خاصة وليس ثمة حاجة إلى أحد من الملوك في ذلك ، وبشأن العيون قال : يوجد في مكة العديد من الآبار والعيون ولا حاجة إلى إقامة عيون أخرى ( بدايع الزهور ، 2 / 127 ) ويتحدث ابن حجر قائلا : أعد له ثلاثة مجلدات من كتاب فتح الباري في شرح البخاري ( أنباء الغمر ، 8 / 49 ) .
وفي الرابع والعشرين من رمضان من نفس تلك السنة دخل القاهرة رسول شاه رخ ويدعى هاشم شريف وهو يحمل رسالة ملك الشرق إلى سلطان مصر التي كانت خالية من البسملة والختم وفي صدارتها : * ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) * . . . إلى آخر السورة ( ابن حجر 8 / 204 ) . ضمن شاه رخ رسالته تهديدا صاعقا للملك الأشرف وطعنا به ( المقريزي 4 ( 2 ) / 833 ) وأرفقها بهدية . فرد السلطان عليها بجواب مناسب ورأى ابن إياس أن الرد الحاد للسلطان كان مناسبا ويقول ( من دق الباب سمع الجواب ) ( بدائع الزهور 2 / 134 ) . وفي 29 من جمادى الآخرة عام 836 وصلت رسالة أخرى إلى القاهرة من شاه رخ يحملها عتابه ويخاطب الملك الأشرف بلقب الأمير ، ويضمنها عبارات تهديد خشنة ، وفي معرض حديثه عن هذه الرسالة يقول المقريزي بان هذه الرسائل تكررت ولكن دون جدوى ( سلوكه 4 / ( 2 ) / 887 ) . ويذكر ابن تغري بردي في هذا المضمار أن صمود وثبات الملك الأشرف بوجه طلبات شاه رخ كان أهم عمل له طوال فترة حكمه بعد فتحه لقبرص . ويعتقد ابن تغري أن الملك الأشرف بصموده في الاحتفاظ بحق إكساء الكعبة ومنعه لشاهرخ من القيام بهذا العمل قد حفظ حرمة مصر وحرمة حكام مصر إلى يوم القيامة ( النجوم الزاهرة ، 14 / 368 ) ، ولكن القرائن تشير إلى أن الملك الأشرف كان يداري ملك الشرق في نفس الوقت الذي يرفض طلباته ويمتنع عن تحقيقها ، ويبدو أنه أرسل في هذه السنة ( 836 ه . ) بعض الهدايا إلى خراسان .
بعد ثلاثة عشر شهرا من السفر بين هرات وهرمز ومكة وصل رسول شاه رخ مصر برسالته المؤرخة في ذي الحجة عام 836 هفي يوم الخميس الواقع في السابع والعشرين من المحرم الحرام عام 838 ه ، وفي الرسالة أخبر شاه رخ الملك الأشرف بوصول هداياه وفي مقابل ذلك بعث له بهدايا مع رسوله إيفاء السيد تاج الدين علي وهو أحد أشراف شيراز ، وقد أعفي هذا الرسول من تقبيل الأرض في حضرة الملك الأشرف لشرفه وسيادته .
وفي هذه الرسالة ورد تأكيد شاه رخ على نذره إكساء الكعبة وتعليق الكساء من داخلها ثم يطلب من الملك الأشرف أن يبعث برسول إلى خراسان لاستلام الكساء .
وفي السادس من صفر من نفس تلك السنة عقد الملك الأشرف مجلسا لدراسة نذر شاه رخ ، اجتمع فيه قضاة المذاهب الأربعة ، ثم طرح الملك مسألة نذر شاه رخ في كسوة الكعبة وطلب رأي الحاضرين ، وكان جواب قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي أن هذا النذر لا ينعقد .
وفي العشرين أو الثاني والعشرين من صفر عام 838 سير الملك الشريف تاج الدين من القاهرة إلى خراسان وبعث معه سفير شاه رخ المدعو اقطوه الموسوي المؤيدي المهماندار ، وحمل اقطوه هذا معه هدية السلطان ورسالته الجوابية للملك شاه رخ .
كتب الملك الأشرف في رسالته رفضه لطلب شاه رخ في إكساء الكعبة وذكر له بان هذا الأمر يتعلق بملوك مصر وتهيأ نفقة ذلك من أوقاف خاصة بهذا الشأن ، ثم يشير على شاه رخ بأنه إذا ما
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 176
مساهمون: حسن الأمين
ص١٧٦