بالمدينة فقال : أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لو اقتبستم العلم من معدنه ،
وشربتم الماء بعذوبته ، وادّخرتم الخير من موضعه ، وأخذتم الطريق من واضحه ،
وسلكتم من الحقّ نهجه ، لنَهجت بكم السبل ، وبدت لكم الأعلام ، وأضاء لكم
الإسلام ، فأكلتم رغداً ( 1 ) ، وما عالَ فيكم عائل ، ولا ظُلم منكم مسلم
ولا معاهد . . . .
رُويداً ، عمّا قليل تَحصدون جميع ما زرعتم ، وتجدون وخيمَ ( 2 ) ما اجترمتم
وما اجتلبتم .
والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لقد علمتم أنّي صاحبكم والذي به أُمرتم ،
وأنّي عالمكم والذي بعلمه نجاتُكم ، ووصيّ نبيّكم ، وخيرة ربّكم ، ولسان
نوركم ، والعالم بما يصلحكم ، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وُعدتم ، وما نزل
بالأُمم قبلكم ، وسيسألكم الله عزّوجلّ عن أئمّتكم ، معهم تُحشرون ، وإلى الله
عزّوجلّ غداً تصيرون .
أما والله لو كان لي عدّة أصحاب طالوت ، أو عدّة أهل بدر وهم أعداؤكم ،
لضربتُكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحقّ ، وتنيبوا للصدق ، فكان أرتق للفتق ( 3 ) ،
وآخذ بالرفق ، اللهمّ فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين .
قال : ثمّ خرج من المسجد فمرّ بصِيرَة ( 4 ) فيها نحو من ثلاثين شاة ، فقال :
هامش
( 1 ) رغداً : أي كثيراً واسعاً بلا عناء ( مجمع البحرين : 2 / 714 ) .
( 2 ) هذا الأمر وخيم العاقبة ، أي ثقيل رديء ( النهاية : 5 / 164 ) .
( 3 ) فتقتُ الشيء فتقاً : شققتهُ ، والفتق ( أيضاً ) : شقّ عصا الجماعة ووقوع الحرب بينهم والرتق ضدّ الفتق
( الصحاح : 4 / 1539 ، 1480 ) .
( 4 ) الصِّيرَة : حظيرة من خشب وحجارة تبنى للغنم والبقر ، والجمع : صِيرٌ وصِيَرٌ ( لسان العرب : 4 / 478 ) .