ودارَ عبد الرحمن لياليه يلقى أصحابَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن وافى المدينة من
أُمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم ، حتى إذا كان الليلة التي صبيحتها
تستكمل الأجل أتى منزل المِسْوَر بن مَخْرَمة فأيقظه ، وقال له : لم أذق في هذه
الليلة كبيرَ غُمْض ( 1 ) ! انطلِق فادْعُ الزبير وسعداً . فدعاهما ، فبدأ بالزبير فقال له :
خَلِّ بني عبد مناف وهذا الأمر . قال : نصيبي لعليّ . وقال لسعد : اجعلْ نصيبك
لي . فقال : إن اخترتَ نفسك فنعم ، وإن اخترتَ عثمان فعليٌّ أحبّ إليّ . . . .
فلمّا صلّوا الصبح جمع الرهط ، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل
السابقة والفضل من الأنصار وإلى أُمراء الأجناد ، فاجتمعوا حتى التجّ ( 2 ) المسجد
بأهله ، فقال : أيّها الناس ! إنّ الناس قد أجمعوا أن يرجع أهل الأمصار إلى
أمصارهم ، فأشيروا عليَّ .
فقال عمّار : إن أردت ألاّ يختلف المسلمون فبايع عليّاً . فقال المقداد بن
الأسود : صدق عمّار ! إن بايعتَ عليّاً قلنا : سمعنا وأطعنا .
قال ابن أبي سَرْح : إن أردتَ ألاّ تختلف قريش فبايع عثمان . فقال عبد الله بن
أبي ربيعة : صدق ! ( 3 ) إن بايعتَ عثمان قلنا : سمعنا وأطعنا .
فشتم ( 4 ) عمّارٌ ابنَ أبي سَرْح وقال : متى كنتَ تنصح المسلمين ! !
فتكلّم بنو هاشم وبنو أُميّة ، فقال عمّار : أيّها الناس ! إنّ الله أكرمنا بنبيّه وأعزّنا
بدينه ، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ؟ ! فقال رجل من بني
هامش
( 1 ) ما ذُقْتُ غُمْضاً : أي ما ذُقْتُ نَوماً ( لسان العرب : 7 / 199 ) .
( 2 ) التجّ الظلام : اختلط ( المحيط في اللغة : 6 / 408 ) .
( 3 ) في المصدر " صدقت " ، وما أثبتناه من تاريخ الطبري ؛ وهو المناسب للسياق .
( 4 ) في المصدر : " فتبسَّم " ، وما أثبتناه من تاريخ الطبري .