و الثاني : و هو التعيّني ، بأن يستعمل أحد لفظا في معنى لا بعنوان الوضع التّعييني ، ثمّ يكثر استعماله فيه حتّى يكون متبادرا الى الذهن من اللّفظ .
فيسمّى هذا النحو من الوضع تعيّنيّا ، لأنه تعيّن بنفسه من كثرة الاستعمال .
2 - اختلفوا في واضع اللّغات . أ هو اللّه أو الناس ؟ و الظاهر الاول . و ذلك لأنّ اللّه سبحانه لمّا خلق أبا البشر و أصل الخليقة آدم عليه السّلام ، و أسكنه و زوجه الجنة ، و أوحى اليهما ما أوحى من الأكل حيث شاءا من الجنة ، و أن لا يقربا شجرة معيّنة ، و غير ذلك مما خاطبهما به ، فلا بدّ من غير شك أنّه علّمهما معاني ما خاطبهما به و ما أوحى به اليهما . بل الظاهر انّه سبحانه علّمهما ما يتخاطبان به فيما بينهما أو مع الملائكة ، و ذلك لإتمام النّعمة عليهما في الجنة . و يمكن أن يستظهر هذا المعنى من قوله تعالى :
( وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )
« 1 » أي أسماء المسمّيات كلّها على الظاهر . ثم من الجائز أنّ اللّه أودع في آدم و ذريّته الأوّلين قوة توسيع اللّغة الأصلية ، ثم تفرّعت منها لغات بعد ذلك حسب التكتّلات البشرية في أقطار المعمورة ، فكان لكلّ كتلة منهم لغتها و لهجتها و نغمتها الخاصة .
هذا و يمكن أن يستنبط من هذه الآية الكريمة أنّ الاسماء هي الاصل للالفاظ . و أمّا الافعال و الحروف فمتفرعة عليها . لأنّ الافعال - كما هو الحق - مشتقة من المصادر و هي أسماء . فالضرب مثلا وضع لمعنى الحدث المعلوم ، ثم لوحظ جعل حدث الضّرب في الزمن الماضي ، فوضع له هيئة
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 31 .