فهو تعالى فاعل قريب لكلّ فعل ولفاعله ، وأمّا الاستقلال المترائي من كلّ علّة إمكانيّة بالنسبة إلى معلولها فهو الاستقلال الواجبيّ الذي لااستقلال دونه بالحقيقة .
[ 3 ] ولا منافاة بين كونه تعالى فاعلًا قريباً كما يفيده هذا البرهان و بين كونه فاعلًا بعيداً كما يفيده البرهان السابق المبنيّ على ترتّب العلل وكون علّة علّة الشيء علّةً لذلك الشيء ، فانّ لزوم البعدُ مقتضي اعتبار النفسيّة لوجود ماهيّات العلل والمعلولات على ما يفيده النظر البدويّ ، والقرب هو الذي يفيده النظر الدقيق .
[ 4 ] و من الواضح أن لاتَدافعَ بين استناد الفعل إلى الفاعل الواجب بالذات والفاعل الذي هو موضوعه كالإنسان مثلًا ، فإنّ الفاعليّة طوليّةٌ لاعرضيّة .
وذهب جمع من المتكلّمين - وهم المعتزلة ومَن تبِعهم - إلى أنّ الأفعال الاختياريّة مخلوقة للإنسان ، ليس للواجب تعالى فيها شأن ، بل الذي له أن يُقْدِر الإنسانَ على الفعل ، بأن يخلق له الأسباب التي يقدر بها على الفعلِ ، كالقوى والجوارح التي يتوصّل بها إلى الفعل باختياره الذي يصحّح له الفعل والترك . فله أن يترك الفعل ولو أراده الواجب ، و أن يأتي بالفعل ولو كرهه الواجب ، ولا صُنْعَ للواجب في فعله .
على أنّ الفعل لو كان مخلوقاً للواجب تعالى كان هو الفاعل له دون الإنسان ، فلم يكن معنى لتكليفه بالأمر والنهي ولا للوعد والوعيد ، ولا لاستحقاق الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ولا فعل ولا ترك للإنسان . على أنّ كونه تعالى فاعلًا للأفعال الاختياريّة - وفيها أنواع القبائح والشرور كالكفر والجحود وأقسام المعاصي والذنوب - ينافي تنزُّه ساحةِ العظمة والكبرياء عمّا لايليق بها .
[ 5 ] ويدفعه أنّ الأفعال الاختياريّة امور ممكنة ، وضرورة العقل قاضية أنّ الماهيّة الممكنة متساوية النسبة إلى الوجود والعدم ، لاتخرج من حاقّ الوسط إلى أحد الطرفين إلّا بمرجّح يوجب لها ذلك وهو العلّة الموجبة ، والفاعل من العلل ، ولا معنى لتساوي نسبة الفاعل التامّ الفاعليّة التي معه بقيّة أجزاء العلّة التامّة إلى الفعل والترك ، بل هو موجب للفعل ، وهذا الوجوب الغيريّ منتهٍ إلى الواجب بالذات ، فهو العلّة الاولى للفعل ،
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 336
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٣٦