المظهرين للشكّ ممّن راجع العلومَ العقليّة وهو غير مسلّح بالأصول المنطقيّة ولامتدرّب في صناعة البرهان ، فشاهد اختلافَ الباحثين في المسائل بالإثبات والنفي ، ورأي الحجج التي أقاموها على طرفَي النقيض . و لم يَقدر لقلّة بضاعته على تمييز الحقّ من الباطل ، فتسلّم طرفي النقيض في المسألة ، بَعد المسألة فأساء الظنّ بالمنطق ، وزعم أن لاطريق إلى إصابة الواقع يؤمَن . معه الخطأ في الفكر ، ولا سبيل إلى العلم بشيء على ما هو عليه .
[ 10 ] وهذا ، كماترى قضاءٌ بتّيّ منه بأمور كثيرة ، كتباين أفكار الباحثين وحججهم ، من غير أن يترجّح بعضها على بعض ، واستلزام ذلك قصور الحجّة مطلقاً عن إصابة الواقع ، فعسى أن يرجع بالتنبيه عنِ مزعمته ، فلْيعالجْ بإيضاح القوانين المنطقيّة ، وإرائة قضايا بديهيّة لاتقبل الشكّ في حال من الأحوال ، كضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، وامتناع سلبه عن نفسه ، وليبالغْ في تفهيم معاني أجزاء القضايا ، وليؤمر أن يتعلّم العلوم الرياضيّة .
[ 11 ] وهناك طائفتان من الشكّاكين دون من تقدّم ذكرُهم . فطائفة يسلّمون الإنسان وإدراكاته ، ويظهرون الشكّ في ماوراء ذلك . وطائفة اخرى تفطّنوا بما في قولهم : نحن وإدراكاتنا من الاعتراف بأنّ للواحد منهم علماً بوجود غيره من الأناسيّ وإدراكاتهم ، ولا فرق بين هذا العلم و بين غيره من الادراكات في خاصّة الكشف عمّا في الخارج ، فبدّلوا الكلام من قولهم : أنا وإدراكاتي .
[ 12 ] ويدفعه أنّ الإنسان ربما يخطأ في إدراكاته ، كاخطأ الباصرة واللامسة وغيرها من أغلاط الفكرة ولولا أنّ هناك حقائقَ خارجيّةً يطابقها إلادراك أولايطابقها لميستقم ذلك .
[ 13 ] على أنّ كونَ إدراك النفس وإدراك إدراكاتها إدراكاً علميّاً ، وكونَ ماوراء ذلك من إلادراكات شكوكاً ، مجازفةٌ بيّنة . و من السفسطة قول القائل : إنّ الذي يفيده البحث التجربيّ أنّ المحسوسات بما لها من الوجود الخارجيّ ليست تطابق صورها التي في
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 118
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١١٨