هامش
انتكَثَ عَلَيهِ فَتلُهُ ، وأجهَزَ عَلَيهِ عَمَلُهُ ، وكَبَتَ بِهِ بَطنَتُهُ !
فَما راعَني إلّاوَالنّاسُ كَعُرفِ الضَّبُعِ إلَيَّ ، يَنثالونَ عَلَيَّ مِن كُلِّ جانِبٍ ، حَتّى لَقَد وُطِئَ الحَسَنانِ ، وشُقَّ عِطفايَ ، مُجتَمِعينَ حَولي كَرَبيضَةِ الغَنَمِ ، فَلَمّا نَهَضتُ بِالأَمرِ نَكَثَت طائِفَةٌ ، ومَرَقَت اخرى ، وقَسَطَ آخَرونَ : كَأَنَّهُم لَم يَسمَعُوا اللَّهَ سُبحانَهُ يَقولُ : « تِلْكَ الدَّارُ الْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَايُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَ الْعقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » بَلى ! وَاللَّهِ لَقَد سَمِعوها ووَعَوهَا ، ولكِنَّهُم حَلِيَتِ الدُّنيا في أعيُنِهِم وراقَهُم زِبرِجُها !
أما وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ ، وَبَرأَ النّسَمَةَ ، لَولا حُضورُ الحاضِرِ ، وقِيامُ الحُجَّةِ بِوُجودِ النّاصِرِ ، و ما أخَذَ اللَّهُ عَلَى العُلَماءِ ألّا يُقارّوا عَلى كِظَّةِ ظالِمٍ ، ولا سَغَبِ مَظلومٍ ، لَأَلقَيتُ حَبلَها عَلى غارِبِها ، ولَسَقيتُ آخِرَها بِكَأسِ أوَّلِها ، ولَأَلفَيتُم دُنياكُم هذِهِ أزهَدَ عِندي مِن عَفطَةِ عَنْزٍ !
قالوا : وقامَ إلَيهِ رَجُلٌ مِن أهلِ السَّوادِ عِندَ بُلوغِهِ إلى هذَا المَوضِعِ مِن خُطبَتِهِ ، فَناوَلَهُ كِتاباً - قيلَ : إنَّ فيهِ مَسائِلَ كانَ يُريدُ الإِجابَةَ عَنها - فَأَقبَلَ يَنظُرُ فيهِ ، فَلَمّا فَرَغَ مِن قِراءَتِهِ ، قالَ لَهُ ابنُ عَبّاسٍ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ، لَوِ اطَّرَدَت خُطبَتُكَ مِن حَيثُ أفضَيتَ !
فَقالَ : هَيهاتَ يَابنَ عَبّاسٍ ! تِلكَ شِقشِقَةٌ هَدَرَت ثُمَّ قَرَّت !
قالَ ابنُ عَبّاسٍ : فَوَاللَّهِ ، ما أسَفتُ عَلى كَلامٍ قَطُّ كَأَسَفي عَلى هذَا الكَلامِ ألّا يَكونَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام بَلَغَ مِنهُ حَيثُ أرادَ ( نهج البلاغة : خطبهء 3 ) .