الفصل الرابع عشرفى العالم المادى
وهو العالمُ المشهودُ ، أنزلُ مراتبِ الوجودِ و أخسِّها ، و يتميّزُ من غيرِهِ يتعلّقِ الصورِ الموجودةِ فيه بالمادّةِ و ارتباطِها بالقوّةِ و الاستعدادِ ؛ فما من موجودٍ فيه إلّاعامّةُ كمالاتِهِ فى أوّلِ وجودِهِ بالقوّةِ ، ثم يخرجُ إلى الفعليّةِ بنوعٍ من التدريجِ و الحركةِ ، و ربما عاقَهُ من ذلك عائقٌ ، فالعالمُ عالمُ التزاحمِ و التمانعِ .
وقد تبيَّنَ بالأبحاثِ الطبيعيّةِ و الرياضيّةِ إلى اليومِ شىءٌ كثيرٌ من أجزاءِ هذا العالمِ و الأوضاعِ و النسبِ التى بينَها و النظامِ الحاكمِ فيها ، و لعلَّ ما هو مجهولٌ منها أكثرُ مما هو معلومٌ .
وهذا العالمُ ، بما بينَ أجزائِهِ من الارتباطِ الوجودىِّ ، واحدٌ سيّالٌ فى ذاتِهِ متحرّكٌ بجوهرِهِ ، و يتبَعُهُ أعراضُهُ ، و على هذه الحركةِ العامّةِ حركاتٌ جوهريّةٌ خاصّةٌ نباتيّةٌ و حيوانيّةٌ و إنسانيّةٌ ؛ و الغايةُ التى تقفُ عندَها هذه الحركةُ هى التجرّدُ التامُ للمتحركِ ، كما تقدم فى مرحلةِ القوّةِ و الفعلِ .
ولمّا كانَ هذا العالمُ متحرّكاً بجوهرِهِ سيّالًا فى ذاتِهِ ، كانتْ ذاتُهُ عينَ التجدُّدِ و التغيُّرِ ؛ وبذلك صحَّ استنادُه إلى العلّةِ الثابتةِ ، فالجاعلُ الثابتُ جَعَلَ المتجدّدَ ، لا أنَّه جَعَلَ الشىءِ متجدّداً ، حتى يلزم محذورُ استنادِالمتغيّرِ إلى الثابتِ و ارتباطِ الحادثِ بالقديم .