الفصل الخامسفي علمه تعالى
قد تقدَّمَ : أنّ لكلِ مجرّدٍ عن المادّةِ علماً بذاتِهِ ، لحضورِ ذاتِهِ عندَ ذاتِهِ ، و هو علمُهُ بذاتِهِ .
وتقدَّمَ أيضاً : أنّ ذاتَهُ المتعاليةَ صرفُ الوجودِ ، الذى لا يحدُّهُ حدٌّ وَ لا يشذُّ عنهُ وجودٌ ولا كمالٌ وجودىٌّ ، فما فى تفاصيلِ الخلقةِ من وجودٍ او كمالٍ وجودىٍ بنظامِها الوجودىِّ ، فهو موجودٌ عندَه بنحوٍ أعلى و أشرفَ ، غيرَ متميّزٍ بعضُها من بعضٍ ، فهو معلومٌ عندَه علماً إجماليّاً فى عينِ الكشفِ التفصيلىِّ .
ثمَّ إنّ الموجوداتِ ، بما هى معاليلُ له ، قائمةُ الذواتِ به قيامَ الرابطِ بالمستقلِ ، حاضرةٌ بوجوداتِها عندَه ، فهى معلومةٌ له علماً حضوريّاً فى مرتبةِ وجوداتِها ، المجرّدةُ منها بأنفسِها ، و الماديّةُ منها بصورِها المجرّدةِ .
فقد تحقَّقَ : أنّ للواجبِ تعالى علماً حضوريّاً بذاتِهِ ؛ و علماً حضوريّاً تفصيليّاً بالأشياء فى مرتبةِ ذاتِهِ قبلَ إيجادِها ، و هو عينُ ذاتِهِ ؛ و علماً حضوريّاً تفصيليّاً بها فى مرتبِتها ، وهو خارجٌ من ذاتِهِ . و من المعلومِ أنّ عملَه بمعلولاتِهِ يستوجبُ العلمَ بماعندَها من العلمِ .
تتمة
ولمّا كانتْ حقيقةُ السمعِ و البصرِ هى العلمُ بالمسموعاتِ و المبصراتِ ، كانا من مطلقِ العلمِ ، و ثبتا فيه تعالى ، فهو تعالى سميعٌ بصيرٌ ، كما أنّه عليمٌ خبيرٌ .