شرح
وبالجملة فالتحريم والتحليل كما يتعلّقان بالأعمال يتعلّقان كثيراً بالأعيان
أيضاً ، كما أنّ الخبيث والطيّب يقعان وصفين لكليهما . هذا .
واستدلّوا بالآية لحرمة الانتفاع بالنجاسات والمتنجّسات كما استدلّوا بها
لحرمة كلّ ما يتنفّر عنه الطباع .
والتحقيق أن يقال : إنّ الألفاظ تحمل على المفاهيم العرفية ، فيراد بالخبيث كلّ
ما يكون رديئاً عند العرف قبيحاً في طباعهم ولو بلحاظ تعبّدهم بالشرع سواء كان
من الأعيان القذرة أو الأفعال القبيحة المستبشعة . ويعبّر عنه بالفارسية ب " پليد " ،
وفي قباله الطيّب بإطلاقه .
وحمل التحريم أو الإحلال في الآية على خصوص الأكل كما في المتن ممّا لا
وجه له بعد عدم وجود القرينة لذلك هنا ، وإن صحّ حمل الطيّب في سورة المائدة
على خصوص ما يؤكل بقرينة المقام . وقد مرّ ( 1 ) أنّ القذر في لسان الأخبار أعمّ
من نجس الذات والمتنجّس وغيرهما ممّا يستقذره العرف ، وعلى هذا فيشمل
لفظ الخبيث للمتنجّس أيضاً عند من يتعبّد بالشرع .
ولكن يمكن أن يقال : إنّ التحريم في الآية ينصرف بمناسبة الحكم
والموضوع إلى المصارف التي يناسبها الطيب والنظافة عرفاً وشرعاً كالأكل
والشرب والصلاة ونحوها ، فلا تدلّ على حرمة جميع الانتفاعات حتّى مثل إطعام
الطّيور وسقي الأشجار في الأعيان النجسة فضلا عن المتنجّسات المحكومة
بحكمها تعبّداً ، فتدبّر . هذا .
وقد مرّ سابقاً عن الأستاذ الإمام " ره " المناقشة في الاستدلال بآية الخبائث بما
محصّله : " أنّ الآية ليست بصدد بيان تحريم الخبائث ، بل بصدد بيان أوصاف
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وما يصنعه في زمان نبوّته بنحو الحكاية والإخبار . وليس المقصود
أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يحرّم عليهم عنوان الخبائث بأن يجعل حكم الحرمة على هذا العنوان ، بل
المقصود أنّه يحرّم عليهم كلّ ما كان خبيثاً بالحمل الشائع كالميتة والخمر والخنزير مثلا .
هامش
1 - دراسات في المكاسب المحرّمة 1 / 227 ; وص 66 من هذا الكتاب .