شرح
وربّما يستدلّ للحرمة في المجسّمات - مضافاً إلى ما مرّ من الأخبار - بما ورد
من بعث رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لكسر الصور :
ففي خبر ابن القدّاح عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " بعثني
رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هدم القبور وكسر الصّور . "
وفي خبر السّكوني عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : " قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : بعثني
رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى المدينة فقال : لا تدع صورة إلاّ محوتها ولا قبراً إلاّ سوّيته
ولا كلباً إلاّ قتلته . " ( 1 )
بتقريب أنّ حرمة الإبقاء دليل على حرمة الإيجاد قطعاً - وإن لم نلتزم بعكس
ذلك - فإنّ حرمة الإبقاء تدلّ على كون الوجود ذا مفسدة ملزمة ، وإذا كان كذلك
فلا محالة حرم الإيجاد أيضاً كما في الأصنام وآلات اللهو والقمار ونحوها .
أقول : بعث رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً - على ما ورد - وقع في عصر كانوا يقدّسون
الصور ويعبدونها ، والظاهر أنّ الصور كانت مجسّمة إذ لم يعهد عبادة النقوش في
عصر من الأعصار . ولعلّ القبور أيضاً كانت مما تُعبد وتُقدّس . والكلاب كانت
كلاباً خاصّة مضرّة بالمجتمع ، بداهة أنّ كلّ قبر لا يجب هدمه كما أنّ كلّ كلب لا
يجب قتله بل جعل الشارع لبعضها دية . وعلى هذا فلا دلالة للروايتين على حرمة
مجرّد التصوير إذا لم يترتّب على وجود الصور مفسدة .
قال الأستاذ الإمام " ره " بعد ذكر الروايتين : " والظاهر أنّ الصور كانت صور
الهياكل والأصنام ومن بقايا آثار الكفر والجاهلية ، ولا يبعد أن يكون الكلب في
الرواية الثانية بكسر اللام وهو الكلب الذي عرضه داء الكلب ، وهو داء يشبه
الجنون يعرضه ، فإذا عقر إنساناً عرضه ذلك الداء . . . ولعلّ أمره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهدم القبور
لأجل تعظيم الناس إيّاها بنحو العبادة للأصنام وكانوا يسجدون عليها ، كما يشعر به
بعض الروايات الناهية عن اتخاذ قبر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبلة ومسجداً : فعن الصدوق " ره "
هامش
1 - الوسائل 3 / 562 ، الباب 3 من أبواب أحكام المساكن ، الحديثان 7 و 8 .