شرح
الوجه الثالث : أنّ الآية الكريمة أعني قوله - تعالى - : ( لا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطل ) ( 1 ) وإن كان الموضوع فيها البطلان العرفي والعقلائي لا الشرعي
لكن بتحكيم ما دلّ على نفي المالية أو نفي تسليم المنفعة ينسلك في مفاد الآية ،
فإنّ أخذ مال الغير بلا انتقال منفعة إليه أكل للمال بالباطل ، ويؤيده النبوي
والتحف .
أقول : يرد على الوجه الأخير ما مرّ من أنّ الاستدلال بالآية للمقام وأمثاله
يتوقف على كون الباء في الآية للمقابلة ، نظير ما تدخل على الثمن في
المعاوضات ، وقد مرّ منع ذلك وأنّ الباء فيها للسببية بقرينة استثناء التجارة عن
تراض التي هي من الأسباب الناقلة ، فيراد النهي عن أكل أموال الناس بمثل الرشوة
والقمار ونحوهما من الأسباب الباطلة عرفاً وشرعاً ، ولا نظر في الآية إلى بيان
شرط العوضين وأنّه يعتبر فيهما كونهما من الأموال . هذا .
واستدلّ في مصباح الفقاهة لفساد المعاملة أعني الإجارة على الأعمال
المحرّمة ب " أنّه يكفي في عدم جواز المعاملة عليها ما دلّ على حرمتها من الأدلّة
الأوّلية ، إذ مقتضى صحة العقود لزوم الوفاء بها ، ومقتضى أدلّة المحرمات حرمة
الإتيان بها وهما لا يجتمعان . . . وأمّا ما في حاشية السيّد من عدم جواز أخذ
الأجرة على العمل المحرم لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه " فإنّ
المراد من الثمن مطلق العوض ، فهو فاسد ، فإنّه مضافاً إلى ضعف سند هذا الحديث
إنّا نمنع صدق الثمن على مطلق العوض . " ( 2 )
أقول : الظاهر أنّ الاستدلال بالحديث ليس بلحاظ استعمال لفظ الثمن في كلّ
عوض ، بل بلحاظ إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط القطعي وإسراء حكم البيع إلى
الإجارة أيضاً ، إذ هما كرضيعي لبان ، كما يساعد على ذلك الاعتبار العقلي وفهم
العقلاء . وكيف كان فلا إشكال في بطلان الإجارة للأعمال المحرّمة .
هامش
1 - سورة النساء ( 4 ) ، الآية 29 .
2 - مصباح الفقاهة 1 / 197 ، في النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به .