شرح
من تلك الأدلّة أو فحواها أنّ الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف محرّمان ، بل
مطلق ما يوجب الإغراء على المحرم والتشويق إليه ، سواء ارتكب الطرف أم لا .
ولا ريب أنّ استيجار المغنية للتغني مثلا دعوة لها إلى إتيان المحرّم .
الوجه الثالث : استفادة ذلك من قوله - تعالى - : في سورة التوبة : ( المنافقون
والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) ( 1 )
بدعوى أن العنوانين ليسا لمجرد معرّفية المنافقين ، بل في مقام تعييرهم وتقريعهم
وذكر ما هو قبيح عقلا ومحرّم شرعاً ، وبدعوى عدم خصوصية الأمر بالمنكر ، بل
المراد أعمّ مما يفيد فائدته من الترغيب والتشويق ، وبدعوى أنّه ليس المراد من
الأمر بالمنكر خصوص ما يرجع إلى ردّ قول رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومخالفته في
قوانينه ، بل المراد أعمّ من ذلك ، فيكون الأمر بالمنكر محرّماً وإن لم يكن الغرض
ردّ قول رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
الوجه الرابع : تأييد ذلك برواية تحف العقول ، وفيها : " فأمّا وجوه الحرام من
وجوه الإجارة نظير أن يؤاجر نفسه على حمل ما يحرم عليه أكله أو شربه أو لبسه ،
أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشيء أو حفظه أو لبسه ، أو يؤاجر نفسه في هدم
المساجد ضراراً أو قتل النفس بغير حلّ ، أو حمل التصاوير والأصنام والمزامير
والبرابط والخمر والخنازير والميتة والدم أو شيء من وجوه الفساد الذي كان
محرماً عليه من غير جهة الإجارة فيه ، وكلّ أمر منهي عنه من جهة من الجهات
فمحرّم على الإنسان إجارة نفسه فيه أو له . . . " ( 2 )
أقول : يمكن أن يناقش في الوجه الأوّل بأنّ قاعدة الملازمة لا تجري في العناوين
المتأخرة عن الأحكام الشرعية المنتزعة منها كعنواني الإطاعة والمعصية مثلا ، للزوم
التسلسل كما مرّ بيان ذلك في بعض الأبحاث السابقة ، فإذا لم يستتبع قبح
هامش
1 - سورة التوبة ( 9 ) ، الآية 67 .
2 - تحف العقول / 334 .