شرح
مبغوضاً للمولى غاية الأمر جهل المباشر به جهلا يعذر فيه فهل يجوز من الغير
التسبيب والإغراء إليه كتقديم الطعام النجس أو الحرام إليه ليأكله مع جهله أم لا ؟
الظاهر أيضاً الحرمة كما مرّ ، لاستظهار ذلك من الأخبار الدالّة على وجوب
الإعلام في الدهن المتنجّس لمن يشتريه ، وعدم جواز بيع المختلط بالميتة إلاّ
لمن يستحلّها ، وعدم جواز بيع العجين بالماء النجس إلاّ لمن يستحلّ الميتة ونحو
ذلك ممّا مرّ .
وقد مرّ منّا بيان أنّ الأحكام الواقعيّة ليست مقيّدة بعلم المكلفين بها وأنّها ليست
جزافيّة بل تابعة للمصالح والمفاسد النفس الأمريّة ، والغرض من البعث أو الزجر
ليس إلاّ تحصيل المصالح الملزمة والاحتراز عن المفاسد الملزمة ، وكون المباشر
معذوراً لجهله لا يصحّح فعل العالم . وكما يحرم مخالفة التكاليف وأغراض المولى
مباشرة ، يحرم مخالفتها بالتسبيب أيضاً بإلقاء الجاهل فيها ، فتأمّل .
ولا نريد بذلك صحّة إسناد فعل المباشر إلى السّبب حتّى يناقش في ذلك بأنّ
شرب الخمر مثلا صدر عن المباشر الجاهل لا عمّن قدّمها له ، بل نريد بيان أن نفس
التسبيب بما أنّه موجب لصدور مبغوض المولى ونقض غرضه يكون محرّماً شرعاً .
قال الأستاذ الإمام " ره " في هذا المجال ما لفظه : " ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ
من كون فعل الشخص سبباً للحرام وقوّة السبب وضعف المباشر ما أشرنا إليه من أنّ
الفعل المجهول بقي على مبغوضيّته ، ومعه لا يجوز التسبيب إلى ارتكاب الجاهل ،
وأنّ وجود المبغوض مستند إلى السبب بنحو أقوى ، وليس مراده صدق آكل النجس
وشاربه على السبب حتّى يستشكل عليه بأنّ عنوان المحرّم إذا كان اختيار مباشرة
الفعل كما هو ظاهر أدلّة المحرّمات لا ينسب إلى السبب بل ولا إلى العلّة التامّة ، فمن
أوجر الخمر في حلق الغير قهراً لا يصدق عليه أنّه شرب الخمر ، بل في مثله لا يتحقّق
عنوان المحرّم رأساً فإنّ الشارب غير مختار ، والعلّة غير شارب . " ( 1 )
هامش
1 - المكاسب المحرّمة 1 / 97 ( = ط . الجديدة 1 / 145 ) . والمستشكل هو المحقّق
الشيرازي في حاشيته على المكاسب ، ص 21 و 22 .