شرح
ولكن يمكن المناقشة بأنّ لفظ السحت أطلق في أخبارنا على كسب الحجّام
وأجر القارئ وثمن اللقاح وعوض الهدية أزيد منها ونحو ذلك ممّا فيه عار وخسّة
بلا حرمة شرعيّة أيضاً . وعلى هذا فدلالته على الحرمة لا تخلو من وهن .
اللّهم إلاّ أن يقال : إنّ ظاهره الحرمة فيحمل عليها إلاّ فيما ثبت خلافه ويؤيّد
ذلك ما يأتي في خبر الوشاء من أنّ السحت في النار .
ثمّ إنّ إطلاق الحديث يقتضي حرمة الثمن وبطلان المعاملة سواء جعل بعض
الثمن في مقام الإنشاء بإزاء وصف الغناء كما هو الغالب ، أو جعل الجميع لإزاء
ذواتها ولذا ردّ الإمام ( عليه السلام ) ثمنهنّ ولم يستفصل ذلك ، إلاّ أن يقال : إنّ الغالب فيها
لحاظ وصفها في مقام التقويم وبذل بعض الثمن بإزائه ، فالإطلاق ينصرف إلى
هذه الصورة فلا يدلّ على بطلان غيرها ، فتدبّر .
2 - ما رواه الحميري في قرب الإسناد عن محمّد بن الحسين ، عن إبراهيم بن
أبي البلاد ، قال : قلت لأبي الحسن الأوّل ( عليه السلام ) : جعلت فداك إنّ رجلا من مواليك
عنده جوار مغنّيات قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار وقد جعل لك ثلثها ؟ فقال : " لا
حاجة لي فيها ، إن ثمن الكلب والمغنّية سحت . " ( 1 )
والظاهر أنّ المراد بمحمّد بن الحسين : محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب الثقة ،
فالرواية صحيحة بلا إشكال . ومن اتّحاد الراوي والمضمون مع الرواية السابقة
ربّما يطمئن النفس باتّحاد الروايتين ، والبيع قد حصل ، ومن الممكن كون قيمة
الدنانير المذكورة في هذه الرواية في ذلك الزمان مساوية لقيمة الدراهم المذكورة
في السابقة . وحمل جميع الثمن إلى الإمام ( عليه السلام ) على فرض وقوعه لا يدلّ على
كون الجميع لشخصه ، فلعلّ الموصي أوصى بتصدّي الإمام ( عليه السلام ) لصرف الجميع في
مصارف وكون ثلثه لشخصه ، وبذلك يجمع بين مضمون الروايتين .
هامش
1 - الوسائل 12 / 87 ، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4 .