تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في المكاسب المحرمة — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
شرح
بل الظاهر أنّ المحرّم الشرعي نفس ذي المقدّمة بسبب تعلّق النهي الأصلي به واشتماله على المفسدة الملزمة . وأمّا ارتكاب المقدّمة بقصد التوصّل بها إليه فهو نحو تجرّ على المولى يحكم العقل بقبحه وإن لم يحصل ذوها . ولا يترتب عليها مفسدة وراء مفسدته الباعثة على تحريمه ولم يتعلق بها نهي مولوي مستقلّ ، ولو فرض تعلّق النهي بها صورةً فهو تأكيد للنهي المتعلّق بذيها . وكذلك الأمر بمقدّمة الواجب : فقول المولى لعبده : ادخل السوق واشتر اللحم مثلا يرجعان إلى أمر واحد بملاك واحد وهو ملاك ذي المقدّمة ، والأمر بالمقدّمة تأكيد لأمر ذيها . وبعبارة أخرى : الأوامر والنواهي من المولى الحكيم ليست جزافيّة بل تكون تابعة للمصالح والمفاسد النفس الأمريّة ، وهي ثابتة في الواجب والحرام الأصليّين ، والبعث والزجر متوجّهان إليهما ، وأمّا الأوامر والنواهي المتعلّقة بالمقدّمات فهي للإرشاد إلى مقدّمية ما تعلّقا به ، وكونها في طريق المبعوث إليه أو المزجور عنه . فإن قلت : إنّ استحقاق الذمّ والعقاب ليس لتفويت المصلحة أو إيجاد المفسدة فقط ، بل نفس الطغيان على المولى والجرأة عليه والخروج عن رسم العبوديّة تكون سبباً لاستحقاقهما عند العقلاء ولو فرض خلوّ المتعلّق عن المصلحة أو المفسدة ، بل لعلّ المهمّ عندهم - في روابط الموالي والعبيد - هي حيثيّة الإطاعة والانقياد أو العصيان والتجرّي . والعصيان والتجري يشتركان في هذا الملاك عندهم كما يشترك الإطاعة والانقياد . وقد سلّمت أنّ الإتيان بمقدّمة الحرام بقصد التوصل بها إلى الحرام يعدّ تجريّاً بحكم العقل بقبحها فلا محالة يحكم الشرع بحرمتها . قلت : العقل وإن حكم بقبح العصيان والتجرّي كما يحكم بحسن الإطاعة والانقياد لكن العناوين المتأخرة عن الأمر والنهي المنتزعة بلحاظهما لا يلحقها حكم شرعي مولوي وإلاّ لتسلسل ، فلو سلّم تعلّق الأمر والنهي بها في الكتاب والسنّة