شرح
بل الظاهر أنّ المحرّم الشرعي نفس ذي المقدّمة بسبب تعلّق النهي الأصلي به
واشتماله على المفسدة الملزمة . وأمّا ارتكاب المقدّمة بقصد التوصّل بها إليه فهو
نحو تجرّ على المولى يحكم العقل بقبحه وإن لم يحصل ذوها .
ولا يترتب عليها مفسدة وراء مفسدته الباعثة على تحريمه ولم يتعلق بها
نهي مولوي مستقلّ ، ولو فرض تعلّق النهي بها صورةً فهو تأكيد للنهي المتعلّق
بذيها .
وكذلك الأمر بمقدّمة الواجب : فقول المولى لعبده : ادخل السوق واشتر اللحم
مثلا يرجعان إلى أمر واحد بملاك واحد وهو ملاك ذي المقدّمة ، والأمر بالمقدّمة
تأكيد لأمر ذيها .
وبعبارة أخرى : الأوامر والنواهي من المولى الحكيم ليست جزافيّة بل تكون
تابعة للمصالح والمفاسد النفس الأمريّة ، وهي ثابتة في الواجب والحرام
الأصليّين ، والبعث والزجر متوجّهان إليهما ، وأمّا الأوامر والنواهي المتعلّقة
بالمقدّمات فهي للإرشاد إلى مقدّمية ما تعلّقا به ، وكونها في طريق المبعوث إليه أو
المزجور عنه .
فإن قلت : إنّ استحقاق الذمّ والعقاب ليس لتفويت المصلحة أو إيجاد المفسدة
فقط ، بل نفس الطغيان على المولى والجرأة عليه والخروج عن رسم العبوديّة تكون
سبباً لاستحقاقهما عند العقلاء ولو فرض خلوّ المتعلّق عن المصلحة أو المفسدة ، بل
لعلّ المهمّ عندهم - في روابط الموالي والعبيد - هي حيثيّة الإطاعة والانقياد أو
العصيان والتجرّي . والعصيان والتجري يشتركان في هذا الملاك عندهم كما يشترك
الإطاعة والانقياد . وقد سلّمت أنّ الإتيان بمقدّمة الحرام بقصد التوصل بها إلى
الحرام يعدّ تجريّاً بحكم العقل بقبحها فلا محالة يحكم الشرع بحرمتها .
قلت : العقل وإن حكم بقبح العصيان والتجرّي كما يحكم بحسن الإطاعة
والانقياد لكن العناوين المتأخرة عن الأمر والنهي المنتزعة بلحاظهما لا يلحقها حكم
شرعي مولوي وإلاّ لتسلسل ، فلو سلّم تعلّق الأمر والنهي بها في الكتاب والسنّة