وقد لا تجعله مالا عرفاً لعدم ثبوت المنفعة المقصودة منه له وإن ترتّب
عليه الفوائد كالميتة التي يجوز إطعامها لجوارح الطير والإيقاد بها ،
والعذرة للتسميد ، فإنّ الظاهر أنّها لا تعدّ أموالا عرفاً . [ 1 ] كما اعترف به جامع
شرح
أقول : قد مرّ منّا أنّه بعد ما جاز الانتفاع بالشيء شرعاً وصار بذلك مالا مرغوباً
فيه ذا قيمة حتّى بلحاظ الشرع فأيّ وجه لعدم جواز المعاملة عليه ؟ وليست
أحكام الشرع جزافيّة . وقد حملنا ما ورد في حرمة ثمن الخمر أو الميتة أو
نحوهما على صورة المعاملة عليها بلحاظ منافعها المحرّمة - على ما كانت شائعة
في سوق الكفّار وشرّاب الخمور - .
وعلى هذا فيجوز بيع الخمر مثلا للتخليل والميتة للتشريح ونحو ذلك . ولا
نسلّم سقوطهما عن الماليّة رأساً وعدم ضمان متلفهما . فلو أراد أحد تخليل خمره
لا يجوز إتلافها عليه بل الظاهر ضمانها له . وإكفاء رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أواني الخمور
في المدينة حين ما نزل تحريمها ، ( 1 ) لعلّه كان حكماً سياسيّاً موقتاً لقطع مادّة
الفساد ، حيث إنّه لم يمكن الردع عنها في بدء تشريع الحرمة إلاّ بذلك ، ولم يحرز
كون التخليل في ذلك العصر نفعاً معتدّاً به ، فلا يقاس على ذلك أعصارنا حيث
يمكن الانتفاعات المحلّلة من الخمور والميتات ونحوهما من الأعيان النجسة .
ورواية تحف العقول وإن ظهر منها بدءً حرمة جميع التقلّبات فيها حتّى هبتها
وعاريتها وإمساكها لكن مضافاً إلى ما مرّ من ضعفها واضطراب متنها كان الظاهر
منها بعد ضمّ بعض فقراتها إلى بعض أنّ ما اشتمل على جهتي الصلاح والفساد معاً
فبيعه والتقلّب فيه لجهات الصلاح يكون حلالا ، وإنّما يحرم بيع ما تمحّض في
الفساد أو وقع التقلّب فيه بلحاظ ما فيه من الفساد ، فتدبّر .
[ 1 ] إذا فرض ترتّب الفوائد على الشيء صار مرغوباً فيه عند بعض ولا محالة
يعتبر له قيمة وإن نزلت ولا سيّما وأنّ التسميد - كما مرّ - فائدة عامّة ملحوظة عند
العقلاء فكيف لا يوجب الماليّة ؟ نعم هي مقولة بالتشكيك ، لها مراتب وتختلف
ذلك بحسب الرغبات والشرائط والأزمنة والأمكنة .
هامش
1 - الوسائل 17 / 322 ، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث 5 .