شرح
فلنتعرّض للجواب عن الإشكال الثالث للمحقّق النراقي ، ونجيب عنه بما لوّح إليه
نفسه عقيب إشكاله .
بيان ذلك : أنّ العقود في الآية فسّرت بالعهود كما مرّ . والتشكيك في ذلك اجتهاد في
قبال النصوص . والتوثيق في العهود لا يدور مدار حكم الشرع فيها باللزوم ، بل يكفي فيه
حكم العرف والعقلاء بذلك . إذ بناؤهم في المعاهدات والمواثيق في جميع الأعصار كان
على الإبرام ولزوم الحفظ وكانوا يذمّون ناقضها والمستخفّ بها . فكأنّ الإبرام أخذ في
طبيعتها وإن اختلفت مراتبه حسب اختلاف مراتبها كسائر الطبائع المشكّكة . وقال
الراغب في تفسير العهد : " العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ، وسمّي الموثق
الّذي يلزم مراعاته عهداً . " ( 1 ) فلزوم المراعاة أخذ في مفهوم العهد .
وبالجملة فالعهود بلحاظ إبرامها وشدّها بالطبع وفي اعتبار العقلاء وجب الإيفاء بها
عرفاً وشرعاً ، لا أنّ وجوب الإيفاء بها شرعاً صار موجباً لشدّها كما في كلام النراقي . فلا
ينقسم العهد إلى لازم وغير لازم ، ومبرم وغير مبرم ، بل إلى الّلازم والألزم ، والمبرم
والأشدّ إبراماً . وهذا هو الملحوظ في مفهوم العقدة أيضاً ، إذ من يقدم على إيجادها بين
الحبلين أو الخيطين أو البنائين لا يوجدها إلاّ بداعي الاستحكام وعدم الانحلال وإن
اختلفت مراتبها حسب اختلاف القوى والدواعي .
وعلى هذا فيكون الحكم بوجوب الإيفاء من ناحية الشارع إرشاداً في الحقيقة إلى ما
يحكم به العقلاء بفطرتهم بلحاظ كون الموضوع بطبيعته المعتبرة مما يستدعي اللزوم
و
هامش
1 - مفردات الراغب / 363 .