شرح
قال الجصّاص في أحكام القرآن بعد كلام طويل حول الآية : " وقد روي عن ابن
عبّاس في قوله - تعالى - : ( أوفوا بالعقود ) أي بعقود اللّه فيما حرّم وحلّل . وعن الحسن
قال : يعني عقود الدين . واقتضى أيضاً الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات
وجميع ما يتناوله اسم العقود . فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده وفي صحّة نذر ولزومه
صحّ الاحتجاج بقوله - تعالى - : ( أوفوا بالعقود ) لاقتضاء عمومه جواز جميعها من
الكفالات والإجارات والبيوع وغيرها . ويجوز الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس
والمال وجواز تعلّقها على الأخطار ، لأنّ الآية لم تفرّق بين شيء منها . . . " . ( 1 )
أقول : قوله : " وجواز تعلّقها على الأخطار " ينطبق على عقد التأمين الشائع في
عصرنا ، هذا .
نعم هنا إشكال ينبغي التأمّل لدفعه ، وهو أنّ مفاد الآية الشريفة بالنسبة إلى أحكام اللّه
المشروعة من قبل مفاد قوله - تعالى - : ( أطيعوا اللّه ) فيكون إرشاداً محضاً إلى حكم
العقل بلزوم الإطاعة ولا يقبل المولويّة للزوم التسلسل كما حرّر في محلّه . والجمع بين
إرادة الإرشاد المحض بالنسبة إلى هذه الأحكام وبين الحكم بالصحّة تأسيساً بالنسبة إلى
العقود والإيقاعات يرجع إلى الجمع بين اللحاظين واستعمال لفظ واحد في معنيين .
اللّهم إلاّ أن يقال : إنّ للأمر معنى واحداً وهو البعث والتحريك نحو متعلّقه ، غاية الأمر
أنّ البعث الإنشائي قد يتحقّق بداعي الإرشاد إلى حكم العقل ، وأخرى بداعي التأسيس
والتشريع . وتعدّد الداعي في استعمال واحد لا يوجب استعمال اللفظ في
هامش
1 - أحكام القرآن للجصّاص 2 / 362 .