شرح
ولو بإمضاء سيرة العقلاء لم تكن من المواثيق الدينيّة فلا تشملها العقود في الآية
الشريفة .
وبالجملة وجوب الوفاء في الآية - على ما ذكره هذان العلمان - موضوعه المواثيق
الدينية وما أوجبها اللّه - تعالى - . فما لم يثبت صحّة العقد شرعاً بدليل خاصّ أو بإطلاق
دليل أو ببناء العقلاء بضميمة عدم ردع الشارع لم يدخل تحت هذين العنوانين . ولا
يمكن إثباتهما بنفس الحكم في الآية ، إذ الحكم لا يثبت موضوع نفسه للزوم الدّور . وإذا
فرض ثبوت صحّة العقد وشرعيّته بدليل آخر لا نحتاج في تصحيحه إلى التمسّك بهذه
الآية بل تقع تأكيداً .
فالأولى أن يقال : إنّ لفظ العقود جمع محلّى باللام فمفاده العموم وقد فسّر بالعهود كما
مرّ . والألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة تحمل على مفاهيمها ومصاديقها العرفيّة إلاّ أن
يرد دليل شرعيّ على خروج بعضها تعبّداً أو دخول غيرها فيها من باب الحكومة .
وعلى هذا فيشمل العقود في الآية الشريفة كلّ ما حكم العرف أو الشرع بكونه معاهدة
وميثاقاً سواء كان ممّا تعاقدها النّاس بينهم أو تعاقدوه مع اللّه - تعالى - بإجراء صيغة
العهد وما شابهه ، أو بالالتزام بما جاء به أنبياؤه بعد الإيمان بهم أو بما قبلوه وتعهّدوه
بحسب الفطرة .
واستعمال لفظ العهد أو الميثاق في الأخير أيضاً شائع في الكتاب والسنّة : قال اللّه -
تعالى - : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) ( 1 ) وفي نهج البلاغة : "
وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيّ نعمته . " ( 2 )
هامش
1 - سورة يس ( 36 ) ، الآية 60 .
2 - نهج البلاغة ، عبده 1 / 17 ; فيض / 33 ; صالح / 43 ، الخطبة 1 .