شرح
والسرّ في ذلك أنّ كلّ أصل يلحظ بنفسه ومفاده ويكون مجعولا مستقلا في قبال
الأصل الآخر وكلّ منهما تعبّد مستقلّ بلحاظ تحقق موضوعه وليسا معاً تعبّداً واحداً
حتى يورد بأن التعبّد بهما ينافي التعبّد بالمعلوم إجمالا في البين .
وبعبارة أوضح : الموضوع لكلّ واحد من الاستصحابين هو الشك في مجراه
والمفروض أنّه متحقق . والتعبّد بكل منهما مستقلا لا ينافي الواقع المعلوم إجمالا في البين .
لاختلاف الموضوع ولاختلاف الرتبة كما في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري . وكلّ
أصل يثبت مفاد نفسه ومجراه دون لوازمه وملازماته وملزوماته . ولذا نرى التفكيك
بين مفاد الأصول ولوازمها ، كما إذا توضّأ بمائع مردّد بين البول والماء ، حيث يحكم
ببطلان الوضوء وطهارة البدن باستصحابهما مع العلم إجمالا بكون أحدهما خلاف الواقع .
وكذا لو شك بعد الصلاة في وقوعها مع الطهارة ، حيث يحكم بصحة هذه الصلاة بقاعدة
الفراغ ووجوب الوضوء للصلوات الآتية .
وقد تلخّص مما ذكرنا هنا وفي الأمر السابق أنّ المقتضي لجريان الأصول في أطراف
العلم الإجمالي متحقق ثبوتاً وإثباتاً ، بمعنى تحقق موضوعها وهو الشك وشمول إطلاق
الأدلّة أيضاً من غير فرق بين التنزيلية وغيرها ، وأنّ المانع عن إجرائها ليس إلاّ لزوم
المخالفة العملية للحكم المعلوم والترخيص في المعصية القطعية . هذا . والتفصيل يطلب
من محلّه .
الأمر الرابع : بعد ما ثبت حجية العلم التفصيلي ذاتاً وكونه علّة تامّة لتنجيز الواقع عقلا
فهل العلم الإجمالي كذلك أو لا ؟
ربما نسب إلى المحقق الخونساري والمحقق القمي - طاب ثراهما - المنع وأنّه بحكم
الشك البدوي ، فيجري في مورده الأصول المرخّصة ، إذ الواقع لم ينكشف تمام
الانكشاف ،