شرح
عمومات العقود والتجارة هو الصحّة . ويؤيد ذلك ما مرّ منّا من التلازم بين جواز
الانتفاع شرعاً وصحّة البيع لذلك ، إذ المعاملات شرِّعت لرفع حاجات المجتمع في تبادل
الأعيان والمنافع وليس لتشريعها مصالح خفيّة سرّية لا يعلمها إلاّ اللّه - تعالى - .
وعلى هذا فإذا فرض جواز بعض الانتفاعات منها وصار لها قيمة ومالية لذلك فأيّ
وجه يتصور لمنع المعاملة عليها ؟ وهل هذا إلاّ جزاف ؟ اللّهم إلاّ أن يكون بنحو التنزيه
حذراً من أن ينتفع بها أحياناً بالنحو المحرّم .
فإن قلت : الاستدلال بخبر الصيقل كان من جهة التقرير . ومن المحتمل أن تقريره ( عليه السلام )
كان لأجل أنّ الصيقل وولده كانوا مضطرين ، كما يشهد بذلك قولهم : " ونحن مضطرون
إليها " ، وقولهم : " لا يجوز في أعمالنا غيرها . "
قلت : قد أجاب عن ذلك الأستاذ الإمام " ره " كما مرّ بأنّ المراد بذلك دوران
تجارتهم عليها لا الاضطرار الّذي يبيح المحظورات . ولذا ترك القاسم الصيقل العمل
بالميتة بمجرد صعوبة اتخاذ ثوب للصلاة . بل لا وجه للاضطرار إلى خصوص الميتة في
بلاد المسلمين الشائع فيها الجلود الذكيّة في عصر الرضا والجواد ( عليهما السلام ) .
وأجاب عنه في مصباح الفقاهة بما محصّله : " أنّ منشأ هذا التوهم إرجاع الضمير في
" غيرها " إلى جلود الميتة ، ولكنه فاسد ، إذ لا خصوصية لها حتّى لا يمكن جعل الأغماد
من غيرها . بل مرجع الضمير إنما هي جلود البغال والحمير سواء كانت من الميتة أو
الذكّي . ويدلّ على ذلك قوله في رواية القاسم الصيقل : فإن كان ما تعمل وحشيّاً ذكياً فلا
بأس . " ( 1 )
أقول : ما ذكره الأستاذ " ره " قريب جدّاً ، إذ هو المتبادر من لفظ الاضطرار في أمثال
المقام من محاورات التجار وأهل الحرف .
هامش
1 - مصباح الفقاهة 1 / 70 .