شرح
وأما أمر المصنّف أخيراً بالتأمّل فلعلّه إشارة إلى ما ذكره الأعلام في المقام :
قال المحقّق الإيرواني في حاشيته : " المستحبّ هو عنوان الزراعة والرعي دون
التكسّب بهما وأخذ الأجرة عليهما ودون التعيّش بهما بصرف الحاصل منهما في
المعاش . " ( 1 )
وقال أيضاً : " الواجب في الصناعات الواجبة كفاية هو نفس القيام بالصنعة وتصدّيها
وعدم التأبي عنها دون عنوان التكسّب بها وأخذ الأجرة عليها . إلاّ أن يقال : إنّ القيام
المجّاني ربّما يزيد في اختلال النظام ; ولكن مع ذلك لا يكون التكسّب بعنوان نفسه
واجباً ، بل يجب بعنوان إقامة النظام . ولو بني على التمثيل للواجب بما وجب بمثل هذه
العناوين دخل في الواجب ما وجب بالنذر واليمين وبعنوان الإنفاق على العيال الواجب
النفقة ولأجل أداء الدين . " ( 2 )
أقول : لقد أجاد فيما أفاد .
ويمكن أن يقال في الزرع أنّ الندب إليه لعلّه من جهة توفير أرزاق الناس وما يقوم به
حياتهم وتعيّش البهائم والطيور وإن وقع العمل عليه مجّاناً ، ويشعر بذلك بعض ما مرّ
من الأخبار .
وفي الرعي أيضاً لذلك ، أو لتحصيل ملكة الانقياد والتواضع للنفس وتمرينها على
الأخلاق الحسنة وحسن المعاشرة والعطف على الضعفاء . فإنّ المعتاد بتربية الحيوانات
والأنس بها يصير لا محالة واسع النفس مقتدراً على المعاشرة مع الروحيات النازلة السافلة
والطبقات المختلفة الأهواء والآراء ويصير بذلك نافعاً لنفسه وللمجتمع . وذلك أمر
مرغوب فيه شرعاً .
ويدلّ على ذلك ما ورد من مباشرة الأنبياء العظام لرعي الأغنام كخبر عقبة عن أبي
هامش
1 - حاشية المكاسب للمحقّق الإيرواني / 3 .
2 - حاشية المكاسب للمحقّق الإيرواني / 3 .