شرح
الآية الثانية
قوله - تعالى - في سورة النساء : ( يا أيّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم . ) ( 1 )
أقول : 1 - أصل الأكل : التغذّي بالشيء بالتقامه وبلعه . وحيث إنّه مستلزم للتسلّط
على الشيء وإفنائه شاع استعماله في إفناء الشيء مطلقاً فيقال : أكلت النار الحطب ،
ويقال : أكل زيد مال عمرو ، إذا استولى عليه وتصرّف فيه تصرّف الملاّك في أموالهم
المستلزم أحياناً لإعدامها وإفنائها ، وذلك بعناية أنّ الأكل أشدّ ما يحتاج إليه الإنسان
وأعمّ تصرّفاته في الأشياء . وهذا الاستعمال شائع عند العرف والعقلاء حتّى الفصحاء
منهم . وعلى أساسه شاع استعماله في الكتاب والسنّة أيضاً . فالمقصود في الآية ، النهي
عن الاستيلاء على مال الغير بالطرق الباطلة .
2 - ولا يخفى أنّ حرمة أكل المال الحاصل بالأسباب الباطلة كناية عن فسادها عند
الشرع وعدم تأثيرها في النقل . كما أنّ حلّيته بالتجارة عن تراض كناية عن صحّتها عنده
وتأثيرها في النقل ، فذكر اللازم وأريد الملزوم .
وبعبارة أخرى : ظاهر النهي في أمثال المقام ، الإرشاد إلى فساد الأسباب لا التكليف
المحض .
هامش
1 - سورة النساء ( 4 ) ، الآية 29 .