شرح
وكل قضاء لو انطبق على القوانين المقدسة الشرعية لا ريب فيه ، وكل ما خالفها فهو باطل بلا شبهة تعتريه ، وكل قاض بذل وسعه وأعمل جهده في أن يوافق قضاؤه مع قضاء الله جلّ جلاله ، فمصيره إلى الجنة لا محالة ، وكل من خالف ذلك يكون مصيره إلى النار ، فلا بد من الاهتمام الكثير ونهاية بذل الوسع في هذا الأمر العظيم ، الذي هو أعظم أمانات الله على النفوس والأعراض والأموال ، ولا بد وأن ترد هذه الأمانة الكبرى إلى أهلها ، وهم الأنبياء والمعصومون عليهم السلام ، ومن يقتفون أثرهم علما وعملا من كل جهة ، لئلا تهتك أعراض الناس وأموالهم ونفوسهم ، التي عصمها الله عزّ وجل عن أدنى وصمة الهتك .
الثاني : القضاء يلحظ تارة بالنسبة إلى نفسه ، وأخرى بالنسبة إلى من يقوم به ، كما هو شأن جميع الصفات التي تكون ذات الإضافة إلى المحل - كالحكم والفتوى والعلم ونحوها - وهو عند الفقهاء بالاعتبار الأول : الحكم بين الناس بما هو صلاحهم ، سواء كان مسبوقا بالخصومة الفعلية أم لا ، وهي الغالب فيه في ظرف عدم بسط اليد .
وبالاعتبار الثاني : ولاية على الناس فيما يصلح به شؤونهم بالطريقة الشرعية .
وإن شئت قلت : القضاء سلطة شرعية على النفوس والأعراض والأموال بما جعلها الله عزّ وجل ، ولا يختص بمورد التخاصم والتنازع ، وإن كان هو الغالب فيها مع عدم بسط اليد ، بل يشمل كلما فيه صلاح الناس من إيجاب أمور وتحريم أخرى فيما فيه الصلاح ، وتتسع تلك السلطة وتتضيق بحسب بسط اليد وضيقها .
وبذلك يمكن أن يجمع بين الكلمات ، فمن فسره بالحكم نظر إلى اللحاظ الأول ، ومن فسره بالولاية نظر إلى اللحاظ الثاني ، وكل منهما حق .