شرح
أما الثالثة : فمقتضى سهولة الشريعة - في مثل هذا الأمر العام البلوى لجميع الأمة وعدم تعرض الأدلة لتفصيله وتفريعه مع ما عليه عامة الناس من الأغراض والدواعي النفسانية - هو الاكتفاء بالداعي القربى الذي يصلح للتأثير ولو لم يكن علة تامة منحصرة مستقلا فيه ، مع أنّه لو اقتصر على العلة التامة المنحصرة منه في صحة العبادة لزم بطلان عبادة غير عباد اللَّه المخلصين ، لأنّ عبادات غالب الناس لا تخلو عن الضمائم وقد صدر عنهم عليهم السلام الوضوء لقصد تعليم الناس والصلاة كذلك أيضا ( 1 )( 1 ) الوسائل باب : 15 من أبواب الوضوء حديث : 2 و 4 .، وقد ورد الأمر بإطالة الركوع ، لانتظار لحوق المأموم ( 2 )( 2 ) الوسائل باب : 50 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 1 و 2 .، وإعطاء الزكاة لترغيب الناس ( 3 )( 3 ) الوسائل باب : 54 من أبواب الزكاة .، والجهر بالتسبيح لإعلام الغير ( 4 )( 4 ) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب قواطع الصلاة .إلى غير ذلك مما يمكن أن يستفاد منها عدم اعتبار الانحصار المحض في داعوية القربة .
هذا ، ولكن الظاهر أنّ مقتضى بناء العقلاء ومرتكزاتهم ، وسيرة المتشرعة اعتبار استقلال داعوية القربة في العباديات مطلقا ، ولا يكتفون بمجرد الاستناد في الجملة ، وهذه هي القرينة المحفوفة بالأدلة ، فلا يصح الرجوع إلى إطلاقاتها كما لا يصح الرجوع إلى البراءة معها وحينئذ يصح أن يقال إنّ استقلال الداعوية في القربة مسلَّمة لدى العقلاء والشك في إجزاء غير هذه الصورة . ومقتضى قاعدة الاشتغال عدم الإجزاء ، لأنّ الشك حينئذ في المحصّل بعد معلومية أصل التكليف خصوصا بعد كون المعبود هذا العظيم الذي تحيّرت العقول في نعمه وإحسانه فضلا عن ذاته وخصوصا بعد إطلاق قوله تعالى : * ( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) * ( 5 )( 5 ) سورة يوسف : 106 .. فإنّ إطلاقه يشمل هذه الضمائم عند الوقوف لدى القهار الجبار المطلع على الخفايا والأسرار . وبالجملة ، ليس للفقيه المأنوس بمذاق الشرع أن يجزم بإطلاق جواز ضمّ الضمائم .