تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
شرح
ومن العقل : أنّ التكليف الحرجي قبيح لدى العقلاء ، وكلّ قبيح محال عليه تعالى . إن قيل : إنّ التكليف مطلقا من الكلفة والمشقة خصوصا بعض مراتبه كالجهاد والقتل بالسيف ، والصوم في هاجر الصيف ونحوهما ، فكيف لم يجعل الحرج في الدين . يقال : إنّ التكاليف الإلهية مطلقا بالنسبة إلى النفوس والأرواح كالمعالجات الجسمانية بالنسبة إلى الأبدان والأجساد ، وكتحمل المشاق غير المتعارفة للوصول إلى المقامات العالية ، فلو توقف حفظ حياة الشخص أو النوع على قطع عضو من أعضائه لا يتوهم أحد بأنّه حرج ، بل يجب بحكم الفطرة ، وكذا لو توقفت حيازة مقام رفيع على تحمل ما هو خلاف المتعارف لا يكون ذلك من الحرج ، إذ الوصول إلى المقامات العالية لا يكون إلَّا بتحمل المشاق والصعوبات ، فكذا الكلام في التكاليف الإلهية التي تكون أسبابا للوصول إلى المقامات المعنوية . ثمَّ إنّ العلماء ( قدّست أسرارهم ) قد أطالوا القول في مفاد مثل قاعدتي الحرج والضرر من أنّه هل يكون النفي عين النّهي ، أو أنّه رفع الحكم برفع الموضوع ، أو أنّ المنفي الحرج والضرر غير المتدارك . والكلّ أجنبيّ عن لسان الكتاب والسنّة الوارد على طبق الأذهان الساذجة العرفية ، وإذا عرضناهما على ذوي الأذهان المستقيمة يحكمون بأنّ المراد تنزه ساحة الشرع الأقدس عن جعل الحكم الحرجي والضرري مطلقا ، كتنزهه عن جعل اللغو والباطل كذلك . ثمَّ إنّ لهم نزاعا آخر وهو : أنّ تقدم مثل قاعدة نفي الحرج على الأحكام مطلقا - أولية كانت أو ثانوية - بنحو الحكومة أو التخصيص ، وعلى الأول هل هي واقعية أي التي تزيل الملاك أصلا عن المحكوم ، أو الظاهرية : أي التي ترفع الإلزام فقط ، ولا ثمرة عملية في هذا النزاع ، كما اعترف به بعض مشايخنا الفحول في بحث الأصول ( قدّس اللَّه سرّهم ) ، بل ولا اسم من الحكومة في كتب المتقدمين بل ولا المتأخرين وإنّما حدث فيما قارب عصرنا وأطيل القول فيه . والمرجع هو العرف ، فإنّه إذا عرضنا عليهم أدلة الأحكام الأولية مع مثل قاعدة الحرج يحكمون بالفطرة بتقدم الثانية على الأولى ، لأنّ مثل هذه القاعدة من