شرح
أنّ الناس لا يهتمون بغير الإلزاميات في معاشهم ومعادهم ، فلو أخبرهم أحد بما كان فعله أو تركه لازما عليهم يتفحصون عن مدركه ، ويتأملون في صدقه وعدمه .
ولكن لو أخبرهم شخص بما كان فعله أو تركه راجحا ولا يبلغ حد الإلزام ، لا يهتمون في صدق مدركه وعدمه ذلك الاهتمام الذي يبذلونه فيما كان لازما عليهم ، بل إن شاؤوا يفعلون ما أخبروا برجحان فعله ، وإن شاؤوا تركوا ما أخبروا برجحان تركه ، تسامحا بينهم في صدق الخبر وعدمه ، وقد فضل الله تعالى بهذا الذي جبل في نفوسهم ، فقال الصادق عليه السلام في الصحيح :
« من بلغه شيء من الثواب من الخير فعمل به كان له أجر ذلك ، وإن كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله لم يقله » ( 1 )( 1 ) الوسائل باب : 18 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 1 .، وقال عليه السلام : « من بلغه عن النبي صلَّى الله عليه وآله شيء من الثواب ، فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله لم يقله » ( 2 )( 2 ) الوسائل باب : 18 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 3 .، وعنه عليه السلام أيضا « من سمع شيئا من الثواب على شيء ، فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه » ( 3 )( 3 ) الوسائل باب : 18 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 6 ..
فجعل لمطلق الانقياد ثوابا ، كما جعل الثواب للإطاعة الواقعية ، وقد عبّر الفقهاء عما استفادوا من هذه الأخبار : بقاعدة التسامح ، فجرت سيرتهم على عدم التدقيق في سند أخبار المندوبات ، فيعملون بها حتّى لو لم يكن السند موثوقا به ، بل ظاهرهم الفتوى بالاستحباب الشرعي في موردها ولو لم يعمل المكلف بعنوان الرجاء ، مع أنّ في بعض تلك الأخبار : « فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه ، وإن لم يكن الحديث كما بلغه » ( 4 )( 4 ) الوسائل باب : 18 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 7 ..
ولعلَّهم أطلقوا القول بالاستحباب من دون التقييد بالرجاء ، لأجل أنّ نوع الناس يعملون المندوبات برجاء الثواب ، فاستغنوا عن عمل الناس بالفتوى بذلك . ثمَّ إنّ غالب أخبار الباب يشتمل على الثواب ، فيظهر منها الاختصاص بالعبادات ، ولكن الظاهر أنّه من باب ذكر الفرد الغالب والأفضل ، فيشمل التوصليات أيضا ، بل يمكن شمولها لها بالفحوى كما لا يخفى . هذا بعض ما يتعلق بهذه القاعدة والتفصيل يطلب من محله .