المدركات بالحواسّ ملذّة كانت محبوبة أي كان للطبع السليم ميل إليها حتّى قال : عليه السّلام « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرّة عيني في الصلاة » ( 1 ) فسمّى الطيب محبوبا ومعلوم أن لا حظَّ للعين والسمع فيه بل للشمّ فقطَّ وسمّى النساء محبوبات ولا حظَّ فيهنّ إلا للبصر واللَّمس دون الشمّ والذّوق والسمع وسمّى الصلاة قرّة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم أنّه ليس تحظى بها الحواسّ الخمس بل حسّ سادس مطيّته القلوب لا يدركه إلا من كان له قلب ولذّات الحواسّ الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان فإن كان الحبّ مقصورا على مدركات الحواسّ الخمس حتّى يقال : إنّ اللَّه تعالى لا يدرك بالحواسّ ولا يمثّل في الخيال فلا يحبّ فإذن قد بطلت خاصيّة الإنسان وما تميّز به من الحسّ السادس الَّذي يعبّر عنه إمّا بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات فلا مشاحّة فيها وهيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشدّ إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للابصار فتكون لا محالة لذّة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهيّة الَّتي تجلّ عن أن تدركها الحواسّ أتمّ وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحبّ إلا الميل إلى ما في إدراكه لذّة كما سيأتي تفصيله فلا ينكر إذن حبّ اللَّه تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواسّ أصلا . الأصل الثالث أنّ الإنسان لا يخفى أنّه يحبّ نفسه ولا يخفى أنّه قد يحبّ غيره لأجل نفسه وهل يتصوّر أن يحبّ غيره لذاته لا لأجل نفسه هذا ممّا قد يشكل على الضعفاء حتّى يظنّون أنّه لا يتصوّر أن يحبّ الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه حظَّ إلى المحبّ سوى إدراك ذاته والحقّ أنّ ذلك متصوّر وموجود فلنبيّن أقسام المحبّة وأسبابها . وبيانه أنّ المحبوب الأوّل عند كلّ حيّ نفسه وذاته ومعنى حبّه لنفسه أنّ في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ونفرة عن عدمه وهلاكه لأنّ المحبوب بالطبع هو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 9
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩
هامش
( 1 ) تقدم كرارا .