الأوّل عند كلّ حيّ ذاته وكمال ذاته ودوام ذلك كلَّه والمكروه عند ضدّ ذلك فهذا هو أوّل الأسباب . السبب الثاني الإحسان وإنّ الإنسان عبد الإحسان وقد جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ، وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اللَّهمّ لا تجعل لفاجر عليّ يدا فيحبّه قلبي » ( 1 ) أشار إلى أنّ حبّ القلب للمحسن اضطرار لا يستطاع دفعه وهو جبّلة وفطرة لا سبيل إلى تغييرها وبهذا السبب قد يحبّ الإنسان الأجنبيّ الَّذي لا قرابة بينه وبينه ولا علاقة ، وهذا إذا حقّق رجع إلى السبب الأوّل فإنّ المحسن من أمد بالمال والمعونة وسائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود وكمال الوجود وحصول الحظوظ الَّتي بها يتهيّأ الوجود إلا أنّ الفرق أنّ أعضاء الإنسان محبوبة لأنّ بها كمال وجوده وهي عين الكمال المطلوب ، فأمّا المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب ولكن قد يكون سببا له كالطَّبيب الَّذي يكون سببا في دوام صحّة الأعضاء ففرق بين حبّ الصحّة وبين حبّ الطبيب الَّذي هو سبب الصحّة إذ الصحّة مطلوبة لذاتها والطبيب محبوب لا لذاته بل لأنّه سبب للصحّة ، وكذلك العلم محبوب والأستاذ محبوب ولكنّ العلم محبوب لذاته والأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب ، وكذلك الطعام والشراب محبوب والدّنانير محبوبة لكنّ الطعام محبوب لذاته والدّنانير محبوبة لأنّها وسيلة إلى الطعام فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرّتبة وإلا فكلّ واحد يرجع إلى محبّة الإنسان نفسه فكلّ من أحبّ المحسن لإحسانه فما أحبّ ذاته تحقيقا بل أحبّ إحسانه وهو فعل من أفعاله لو زال ذلك زال الحبّ مع بقاء ذاته تحقيقا ولو نقص نقص الحبّ ولو زاد زاد ويتطرّق إليه الزّيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه . السبب الثالث : أن يحبّ الشيء لذاته لا لحظَّ ينال منه وراء ذاته ، بل يكون ذاته عين حظَّه وهذا هو الحبّ الحقيقي البالغ الَّذي يوثق بدوامه وذلك كحبّ الجمال والحسن فإنّ كلّ جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال ، وذلك لعين الجمال
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 11
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١
هامش
( 1 ) أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ وقد تقدم .