لأنّ إدراك الجمال فيه عين اللَّذّة واللَّذّة محبوبة ، ولا تظننّ أنّ حبّ الصور الجميلة لا يتصوّر إلا لأجل قضاء الشهوة فإنّ قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحبّ الصور الجميلة لأجلها وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته وكيف ينكر ذلك ، والخضرة والماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو تؤكل الخضرة أو ينال منها حظَّ سوى نفس الرّؤية وقد كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تعجبه الخضرة والماء الجاري ( 1 ) والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار [ 1 ] والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتّى أنّ الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظَّ وراء النظر ، فهذه الأسباب ملذّة وكلّ لذيذ محبوب وكلّ حسن وجمال فلا يخلو إدراكه عن لذّة ، ولا أحد ينكر كون الجمال محبوبا بالطبع فإن ثبت أنّ اللَّه تعالى جميل كان لا محالة محبوبا عند من انكشف له جماله وجلاله كما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه جميل يحبّ الجمال » ( 2 ) . السبب الرابع في بيان معنى الحسن والجمال : اعلم أنّ المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربّما يظنّ أنّه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللَّون وكون البياض مشوبا بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك ممّا يوصف من جمال شخص الإنسان فإنّ الحسّ الأغلب على الخلق حسّ الابصار وأكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص فيظنّ أنّ ما ليس مبصرا ولا متخيّلا ولا متشكَّلا ولا متلوّنا متقدّرا فلا يتصوّر حسنه ، وإذا لم يتصوّر حسنه لم يكن في إدراكه لذّة فلم يكن محبوبا ، وهذا خطأ ظاهر فإنّ الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر ، و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 12
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في كتاب طب النبي صلَّى اللَّه عليه وآله من حديث ابن عباس بسند ضعيف كما في المغني .
( 2 ) أخرجه البيهقي في شعب الايمان من حديث أبي سعيد الخدري بسند ضعيف ، ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود ، والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة وابن عساكر من حديث جابر وابن عمر بسند صحيح كما في الجامع الصغير .
[ 1 ] جمع النور بالفتح مصدر واحدتها نورة ونور النبات زهرتها وبهجتها وغضارتها .