تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠

الملائم للمحبّ وأي شيء أتمّ ملاءمة من نفسه ودوام وجوده وأيّ شيء أعظم مضادّة ومنافرة له من عدمه وهلاكه ، فلذلك يحبّ الإنسان دوام الوجود ، ويكره الموت والقتل لا لمجرّد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرّد الحذر من سكرات الموت بل لو اختطف من غير ألم وتعب وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارها لذلك ولا يحبّ الموت والعدم المحض إلا لمقاساة ألم في الحياة ومهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء ، فإن أحبّ العدم لم يحبّه لأنّه عدم بل لأنّ فيه زوال البلاء فالهلاك والعدم ممقوت ودوام الوجود محبوب وكما أنّ دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لأنّ الناقص فاقد للكمال والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود ، وهو هلاك بالنسبة إليه والهلاك والعدم ممقوت في الصفات وكمال الوجود كما أنّه ممقوت في أصل الذّات ووجود صفات الكمال محبوب كما أنّ دوام أصل الوجود محبوب وهذه غريزة في الطباع بحكم سنّة اللَّه تعالى : « ولن تجد لسنّة اللَّه تبديلا » ( 1 ) فإذن المحبوب الأوّل للإنسان ذاته ثمّ سلامة أعضائه ، ثمّ ماله وولده وعشيرته وأصدقاؤه ، فالأعضاء محبوبة وسلامتها مطلوبة لأنّ كمال الوجود ودوام الوجود موقوف عليها ، والمال محبوب لأنّه أيضا آلة في دوام الوجود وكماله وكذا سائر الأسباب ، فالإنسان يحبّ هذه الأشياء لا لأعيانها بل لارتباط حظَّه في دوام الوجود وكماله بها حتّى أنّه ليحبّ ولده وإن كان لا يناله منه حظَّ بل يتحمّل المشاقّ لأجله لأنّه يخلفه في الوجود بعد عدمه فيكون في بقاء نسله نوع بقاء له فلفرط حبّه لبقاء نفسه يحبّ بقاء من هو قائم مقامه ، وكأنّه جزء منه لما عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبدا نعم لو خيّر بين قتله وقتل ولده وكان طبعه باقيا على اعتداله آثر بقاء نفسه على بقاء ولده لأنّ بقاء ولده يشبه بقاءه من وجه وليس هو بقاؤه المحقّق وكذلك حبّه لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبّه لكمال نفسه فإنّه يرى نفسه كثيرا بهم قويّا بسببهم متجمّلا بكمالهم ، فإنّ العشيرة والمال والأسباب الخارجة كالجناح المكمل للإنسان ، وكمال الوجود ودوامه محبوب بالطبع لا محالة فإذن المحبوب

هامش
( 1 ) الفتح : 23 .