طوبى له ثمّ طوبى له وله عند اللَّه شفاعة يوم القيامة » ( 1 ) إلى هنا كلام الصادق عليه السّلام . قال أبو حامد : وقد ورد في حبّ اللَّه من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر وإنّما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به . * ( بيان حقيقة المحبّة وأسبابها ) * * ( وتحقيق معنى محبّة العبد للَّه تعالى ) * اعلم أنّ المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبّة في نفسها ثمّ معرفة شروطها وأسبابها ، ثمّ النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حقّ اللَّه عزّ وجلّ ، فأوّل ما ينبغي أن يتحقّق أنّه لا يتصوّر محبّة إلا بعد معرفة وإدراك إذ لا يحبّ الإنسان من لا يعرفه ولذلك لم يتصوّر أن يتّصف بالحبّ جماد بل هو من خاصيّة الحيّ المدرك ثمّ المدركات في أنفسها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذّه وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه وإلى ما لا يؤثّر فيه بايلام وإلذاذ فكلّ ما في إدراكه لذّة وراحة فهو محبوب عند المدرك ، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك ، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذّة فلا يوصف بكونه محبوبا ولا مكروها ، فإذن كلّ لذيذ محبوب عند المتلذّذ به ، ومعنى كونه محبوبا أنّ في الطبع ميلا إليه ومعنى كونه مبغوضا أنّ في الطبع نفرة عنه ، فالحبّ عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذّ فان تأكَّد ذلك الميل وقوي سمّي عشقا ، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمّي مقتا فهذا أصل في معنى حقيقة الحبّ لا بدّ من معرفته . الأصل الثاني أنّ الحبّ لمّا كان تابعا للمعرفة والإدراك انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواسّ فلكلّ حاسّة إدراك لنوع من المدركات ، ولكلّ واحدة منها لذّة في بعض المدركات ، وللطبع بسبب تلك اللَّذّة ميل إليها فكانت محبوبات عند الطبع السليم فلذّة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة ، ولذّة الأذن في النغمات الطيّبة الموزونة ، ولذّة الشمّ في الرّوائح الطيّبة ، ولذّة الذوق في الطعوم ، ولذّة اللَّمس في اللَّين والنعومة ، ولمّا كانت هذه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 8
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨
هامش
( 1 ) المصدر الباب السادس والتسعون .